دروس من قصة السحابة التي أُمرت أن تسقي حديقة الرجل الصالح (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- مِن وسائل التربية النبوية القصص: قال -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (يوسف:111) .
- ومن ذلك: قصة الرجل المزارع الصالح، الذى أمر الله السحاب بسقي مزرعته مِن بين مزارع الناس مِن حوله؛ لاستقامته على أمر الله: روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( بَيْنا رَجُلٌ بفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذلكَ السَّحابُ، فأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ مِن تِلكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذلكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحاتِهِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ، لِلاِسْمِ الذي سَمِعَ في السَّحابَةِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الذي هذا ماؤُهُ يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لاِسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فيها؟ قالَ: أمَّا إذْ قُلْتَ هذا، فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأَرُدُّ فيها ثُلُثَهُ ) (رواه مسلم) .
شرح مجمل للقصة، ثم التعرض لذكر الدروس والفوائد:
(1) رعاية الله وحفظه للصالحين من عباده الذين يستقيمون على أمره:
- إذا رضي الله عن العبد، سخَّر له ما يشاء، وغيَّر له نواميس الكون: ففي القصة: ( اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ ) (1) ، وفي قصة الرجل الأمين والخشبة: ( فرَمى بها في البحرِ حتَّى وَلَجَتْ فيه، ثمَّ انصَرَفَ ) (رواه البخاري) ، وفي آخر القصة: ( قالَ: فإنَّ اللَّهَ قدْ أَدَّى عَنْكَ الذي بَعَثْتَ في الخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بالألْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا ) (رواه البخاري) (2) .
- وقفات تأمل: تظهر كيف غير الله للصالحين نواميس الكون: (هاجر أم إسماعيل -عليها السلام- وقصة بئر زمزم - مريم -عليها السلام- وتوفر الرزق في محرابها - جريج العابد وإنطاق الله لرضيع المرأة البغي - ... )، قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) (الطلاق:2-3) .
(2) فضل الصدقة والإنفاق في سبيل الله:
- الصدقة تحفظ المال وتزكيه وتباركه: ففي القصة: ( أمَّا إذْ قُلْتَ هذا، فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ )، وفي رواية: ( وَأَجْعَلُ ثُلُثًا فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (رواه أبو داود الطيالسي في مسنده، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ثلاثةٌ أقسِمُ عليْهنَّ، وأحدِّثُكم حديثًا فاحفظوهُ، قالَ: ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبرَ عليْها إلَّا زادَهُ اللَّهُ عزًّا، ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ إلَّا فتحَ اللَّهُ عليْهِ بابَ فقرٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
- البخل والإمساك يذهب المال وبركته، ويعرِّض للعقوبة: قال الله -تعالى- عن أصحاب المزرعة البخلاء: ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ . فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ) (القلم:17-24) .
- المتصدق في زيادة وسعادة، والبخيل في نقص وضيق وغم: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ البَخِيلِ والمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عليهما جُبَّتانِ مِن حَدِيدٍ مِن ثُدِيِّهِما إلى تَراقِيهِما، فأمَّا المُنْفِقُ فلا يُنْفِقُ إلَّا سَبَغَتْ أوْ وفَرَتْ علَى جِلْدِهِ، حتَّى تُخْفِيَ بَنانَهُ وتَعْفُوَ أثَرَهُ، وأَمَّا البَخِيلُ فلا يُرِيدُ أنْ يُنْفِقَ شيئًا إلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكانَها، فَهو يُوَسِّعُها ولا تَتَّسِعُ ) (متفق عليه) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) (رواه البخاري ومسلم) .
(3) فضل العمل والسعي في طلب الأرزاق:
- كان صاحب القصة يعمل بالزراعة، ويأكل من كسب يده: ففي القصة: ( فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحاتِهِ ).