شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تأمَّلات فيما في مظاهر الشتاء من الآيات

عبد المعطي عبد الغني • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فالتفكر في آيات الله، وعجائب صنعه، من أجلِّ العبادات التي يغفل عنها الكثير من الناس، وقد دعانا الله -عز وجل- للتفكر فيما خلق فقال -تعالى-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (آل عمران: 190- 191)

ـ وفصل الشتاء وما يكون فيه من ظواهر طبيعية كالمطر والثلج والبرد والرعد والرياح وغيرها، يستدعي النظر والتأمَّل؛ لتدرك القلوب عظمة ربها وخالقها وقدرته ورحمته وحكمته وقيامه علي خلقه وإنعامه وفضله فتنطق: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (أل عمران: 191).

1ـ فتأمَّل المزن وقد حملت فأثقلت، ثم ألـَّف الله بينها، ثم ساقتها الرياح إلى حيث يصير ركاماً، فترى الودق يخرج من خلاله، قال الله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ . يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ) (النور: 45).

2ـ وتأمَّل حبات المطر وهي تهوي كاللؤلؤ المنضود، وقد سالت أودية بقدرها، وداعبت الأرضَ الميتةَ، فاهتزت، وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، جناتٍ، وحبَ الحصيد، ونخلاً باسقات لها طلع نضيد: قال الله -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ . وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ . رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) (قّ: 9- 11).

3ـ تأمَّل كيف يكون المطر رحمة، وقد يكون عذاباً، يكون رحمة ينشرها، وغيثاً يغيث الله به عباده، قال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28).

وتأمَّل كيف جعله الله رجزاً على من كفر به، وكذَّب رسله، وجحد فضله، فقوم "عاد" رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم فقالوا: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) ، فكان مصيرهم المحتوم (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأحقاف: 24).

4ـ تأمَّل كيف حاول الإنسان أن يؤَلِّف بين السحاب، ويهيِّئ لها الأسباب، لينزل المطر، وكيف جاءت محاولاته خاسرة، فلم يفعل شيئاً سوى توفير الظروف المناسبة، فتكلف العَنَتَ، ونزل مطر قليل في بقعة محدودة لزمن محدود. تأمَّل هذا، وانظر كيف يُنزِل الله المطر فتجري به الأنهار، وتمتلئ به الأودية قال -تعالى-: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً) (الرعد: 17).

5ـ تأمَّل كيف يبتلي الله عباده بالمطر، يُنزِله فتتحرك شفاه المؤمنين بنسبته إلى فضله ورحمته، ويكفر آخرون بنسبته للكواكب والأنواء، فعن زيد بن خالد الجهني قال: ( صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب ) متفق عليه.

6ـ تأمَّل حاجة العبد إلي ربه -سبحانه وتعالى- إذا غاب عنه المطر، حتى كاد الزرع يهلك، والضرع يجف، فيرشده ربه إلي دعائه، وطلب السقيا منه فيسقيه، فيوقِن القلب بأن له رباً سميعاً عليماً، يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف الضر، فيدعوه عند الحاجات، ويسأله تفريج الكربات، ولا يدعو من دونه نبياً ولا ولياً، ولا شجراً ولا حجراً، فأنى للمخلوق العاجز أن يفعل ما لا يفعله إلا الرب القادر، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، اللهم صيباً نافعاً.

7ـ تأمَّل كيف ينزل الله المطر بقدر، إذ عدله -سبحانه- في كل شيء، فلو قَلَّ المطر لهلك العباد، ولو طغى لصار طوفاناً مدمرًا (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (القمر: 11-12).

8ـ تأمَّل كيف ينال العباد ما عند الله بطاعته، ويُحرَمون ما عنده بمعصيتهم، فما مَنَعَ الناس زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وقد ساقه الله -عز وجل- إلى رجل في الصحراء ليروي حديقة كان يخرج زكاتها، وعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته فقال له يا عبد الله ما اسمك فقال له يا عبد الله لم تسألني عن اسمي فقال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه ) رواه مسلم.

9ـ تأمَّل كيف دلل القرآن علي البعث بعد الموت، والحياة بعد الفناء، بإحياء الأرض بالمطر (إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى) (فصلت: 39).

10ـ تأمَّل كيف ربط النبي -صلى الله عليه وسلم- بين نزول المطر من السماء، وصفة العلو والفوقية الثابتة لله -تعالى- فالله فوق عرشه مستوٍ عليه بكيفية لا يعلمها إلا هو (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه: 5).

فقد كان يبلِّلُ بدنه بالمطر عند ابتداء نزوله ويقول: (إنه حديث عهد بربه) رواه مسلم.

الصفحة التالية