شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكرة والطفولة الحضارية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

والرجل الغربي غرضه في الحياة شهوة بطنه وفرجه ولهو نفسه، ومن ثَمَّ فالنظام السياسي والاجتماعي القائم هناك يطالب الناس بالعمل بكل طاقاتهم لكي يوفروا الأموال التي سوف تُأمن لهم شهوة البطن والفرج واللهو من سينما ومسرح، إلى ألعاب رياضية على اختلاف تنوعها، وقد صَدروا لنا هذا الجزء من ثقافتهم -وهو الانغماس في اللهو- ولم يصدروا لنا الجزء الآخر وهو الحرص على العمل والإنتاج من أجل تأمين "لهو مستقر ومُـنظم"، وغني عن الذكر أن لا هذا ولا ذاك يصلح أن يكون منهجاً لخير أمة أخرجت للناس، الحاصل أن الانغماس في المسابقات الرياضية منسجم تماماً إن لم يكن أحد مكونات الحضارة الغربية.

وقد تسرب هذا إلى قطاع عريض من الشباب المسلم لكونه في هذه المرحلة يحتاج إلى شيء من اللعب والتريض، ولا يجد نموذجاً للعب إلا النموذج الغربي كما هو الشأن في سائر المجالات، بالإضافة إلى أن القطاع الأكبر من الشباب المسلم لا يكتفي بالألعاب الرياضية، بل ينهل من كل أنواع اللهو الغربية حتى أصبح لا يعرف إلا اللهو.

فإذا كان هذا هو حال الشباب في ارتباطه باللهو واللعب عموماً، وبالكرة خصوصاً، فكيف يتحول الأمر إلى مشهد قومي يشارك فيه الرجال والنساء والأطفال من المحيط إلى الخليج.

هذا في الأعم الأغلب راجع إلى أن المنافسات الرياضية بصورتها الحالية تشبع تلك الحاجات الفطرية التي جبل الله النفس البشرية عليها من وجود الهدف والأمل والصمود والشعور بروح الجماعة.

- هذه الحاجات أودعها الله في النفس البشرية لكي تكون دافعاً لها على تحقيق رسالة عمارة الأرض بشرع الله -تعالى-، ولكن الشيطان يحاول دائماً أن يستدرج الإنسان إلى إشباع تلك الحاجات بأمور محرمة أو قليلة النفع على الأقل كما يجتهد في أن يجعل من يتزوج لا يريد من الزواج إلا شهوة فرجه دون أن يريد من وراء ذلك تكثير سواد الأمة، وربما ذهب مع البعض إلى ما هو أبعد من ذلك من قضاء شهوته في حرام مع أن الحاجة إلى الجنس الآخر إنما أودعها الله -عز وجل- في الناس ليكون الزواج والتكاثر وعمارة الأرض.

ومن هنا، وبدلاً من أن تلتف الأمة حول هدف أسمى هو نصرة دين الله -عز وجل-، وبدلاً من أن يكون أملها هو العودة إلى قيادة العالم، وبدلاً من أن يكون صمودها أمام هجمات الأعداء العسكرية والفكرية، بدلاً من هذا كله لم تجد الأمة من هدف وأمل وصمود إلا في ميدان الكرة، وهو أمل يتحقق حيناً ويذهب أحياناً، ولكنه أصبح في حس كثير من الناس أفضل من الآمال الجادة التي أريد للأمة أن تيأس منها يأسها من أصحاب القبور، و كذلك الصمود في ملاعب الكرة هو في عرف إعلامنا صمود الرجال، بينما صمود المقاومة للمحتل هو صمود "الصواريخ الكاريكاتورية".

الحاصل أن الأمة لديها حاجة فطرية لأن تشعر بأنها أمة، وأن يكون لها هدف وأمل، وأن تشعر بأن لها كيان، وأن تشعر أنها تملك "كتيبة شجعان"، فلم تجد ذلك إلا في هذا الميدان، وسبحان الله، لما وجد الأمل ووجد العمل، وجد الإنفاق والبذل ؛ فالناس يشترون الأعلام للتشجيع مع أن الفريق المشجَع لن يراها، ولكنها الرغبة في المساهمة في هذه "الملحمة" بأي نوع من المساهمة، والناس يرفعون الدعوات لله -عز وجل-، دعاء ملايين المصريين ومعهم 300 مليون عربي، وكم بُحَّت أصواتنا في أن ندعو للمستضعفين ولكن الاستجابة لم تكن على القدر المطلوب ، وكأن الكثيرين من المسلمين لا يريد أن يسأل الله شيئاً صور له الإعلام أنه من ضروب المستحيل.

وبالمناسبة فالله -عز وجل- يعطي عبده ما سأله طالما سأل وتوسل، وربما أعطاه حاجته وإن كان كانت محرمة، أو خلاف الأولى، وبالتالي فلا شك أن دعوات الملايين كان لها أثر في هذا الفوز، وإن كان هذا لا يعني مشروعية اللعب في هذه الكئوس، وإهدار الأعمار فيها.

المشهد الآن يقول: إن الأمة لجأت لا إرادياً إلى مجال اللعب لتشبع من خلاله الإحساس بأنها ما زالت أمة.

وقد قدمنا أن اللعب لا يصلح أن يكون هدفاً في أمتنا إلا للأطفال، فهل تعيش أمتنا طفولة حضارية متأخرة؟ هل رضينا من ميراثنا العظيم بهذه الطفولة الحضارية؟

إن أمتنا ولدت يوم ولدت عظيمة رائدة لأنها أمة ربانية، حملت نور الوحي إلى الدنيا بأسرها، واليوم ورغم أن نور الوحي ما زال في أيديها إلا أنها ترضى بأن يكون مشروعها القومي هو "منتخبها الكروي القومي".

وإذا تأملت في الفرحة العارمة التي ترتسم على وجه أب يرى طفله ذي الخمس سنوات وهو يبني قصره الأول فوق الرمال، ثم تأملت في تلك الحسرة التي تعلو وجهه لو وجد ابنه بعد أن تخرج من الجامعة وهو ما يزال لا يحسن غير بناء القصور على الرمال، علمت مقدار الصدمة والحزن والأسى الذي تورثه الطفولة المتأخرة في مجال الأفراد.

وأما في مجال الأمم فطعمها أمرُّ من الحنظل، وألمها يشوي الأكباد، ومع ذلك فالطفولة المتأخرة ليست بالداء العضال الذي لا يرجى برؤه، ولكنه يحتاج إلى صرخة من ناصح تعيد المريض إلى رشده وإلى سنه الطبيعي، فهل من ناصح لأمة الإسلام يعيدها إلى مشروعها الحضاري ويعيده إليها؟

سؤال لابد وأن يَشغل أبناء الصحوة الإسلامية أنفسهم به.

الصفحة السابقة