شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (44) آيات من القرآن في ذم القسوة (22)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وقوله: ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ): فيه إشارة إلى أنه -تعالى- يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلّتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتَّان (أي: الوابل)، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد ما كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعَّال، وهو الحَكَم العدل في جميع الفِعَال، اللطيف الخبير الكبير المتعال" (انتهى من تفسير ابن كثير) .

وجاء في تفسير الطبري -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الحديد:16-17) : "يقول تعالى ذكره: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ): ألم يحن للذين صدَّقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله، فتخضع قلوبهم له، ولما نـزل من الحقّ، وهو هذا القرآن الذي نـزَّله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

- ذكر مَن قال ذلك:

قال ابن عباس: قوله: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) قال: تطيع قلوبهم.

وقال عكرِمة: قوله: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ) قال: ألم يحن للذين آمنوا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ )؛ فقرأته عامة القرّاء -غير شيبة ونافع- بالتشديد: "نَـزَّل"، وقرأه شيبة ونافع: "وما نَـزَلَ" بالتخفيف، وبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب؛ لتقارب مَعْنَيَيْهِمَا.

وقوله: ( وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ ): يقول -تعالى ذكره-: ألم يأن لهم أنْ لَّا يكونوا -يعني الذين آمنوا مِن أمة محمد صلى الله عليه وسلم- ( كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ) يعني مِن بني إسرائيل، ويعني بالكتاب: الذي أوتوه مِن قبلهم: التوراة والإنجيل.

- ذكر مَن قال ذلك:

حدثنا ابن حُميد، بسنده عن إبراهيم، قال: جاء عتريس بن عُرقوب إلى ابن مسعود، فقال: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَلَكَ مَن لم يأمر بالمعروف وينهى عَنِ الْمُنْكَرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قلبُه مَعْرُوفًا وَلَمْ يُنْكِرْ قلبُه مُنْكَرًا؛ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ وَقَسَتْ قُلُوبُهُمُ، اخْتَرَعُوا كِتَابًا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمُ، اسْتَهْوَتْهُ قُلُوبُهُمْ وَاسْتَحَلَّتْهُ أَلْسِنَتُهُمْ، وَقَالُوا: نَعْرِضُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ هَذَا الْكِتَابَ فَمَنْ آمَنَ بِهِ تَرَكْنَاهُ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ قَتَلْنَاهُ. قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ كِتَابَ اللَّهِ فِي قَرْن، ثُمَّ جَعَلَ الْقَرْنَ بَيْنَ ثَنْدُوَتَيْهِ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: أَتُؤْمِنُ بِهَذَا؟ قَالَ آمَنْتُ بِهِ -وَيُومِئُ إِلَى الْقَرْنِ بَيْنَ ثَنْدُوتيه- وَمَالِي لَا أُؤْمِنُ بِهَذَا الْكِتَابِ؟ فَمِنْ خَيْرِ مِلَلِهم الْيَوْمَ مِلَّة صَاحِبِ القَرن.

ويعني بقوله: ( فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ): ما بينهم وبين موسى -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وذلك الأمد الزمان.

- ذكر من قال ذلك:

قال مجاهد: قوله: ( الأمَدُ ) الدهر.

وقوله: ( فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) عن الخيرات، واشتدّت على السكون إلى معاصي الله.

( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )، يقول الله -جلّ ثناؤه-: وكثير مِن هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، مِن قبل أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- فاسقون.

يقول الله -تعالى ذكره-: ( اعْلَمُوا ) أيها الناس ( أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ ) الميتة التي لا تنبت شيئًا، ( بَعْدَ مَوْتِهَا ) يعني: بعد دثورها ودروسها، يقول: وكما نحيي هذه الأرض الميتة بعد دروسها، كذلك نهدي الإنسان الضَّالَّ عن الحق إلى الحق، فنوفِّقه ونسدِّده للإيمان حتى يصير مؤمنًا مِن بعد كفره، ومهتديًا مِن بعد ضلاله.

وقوله: ( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) يقول: قد بيَّنا لكم الأدلة والحجج لتعقلوا.

الصفحة السابقة