شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (49) آيات من القرآن في ذم القسوة (27)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وقال أيضًا في كلام صاحب المنازل: "الحياة في هذا الباب يشار بها إلى ثلاثة أشياء: الحياة الأولى: حياة العلم من موت الجهل، ولها ثلاثة أنفاس: نفس الخوف، ونفس الرجاء، ونفس المحبة.

قال: الحياة التي أشار إليها المصنف، هي حياة العلم من موت الجهل؛ فإن الجهل موت لأصحابه، كما قيل:

وفـي الجهْلِ قبل الموتِ موتٌ لأهله وأجـسامـُهـم قـبـل القـبـورِ قبـورُ

وأرواحُهم في وَحْشَةٍ من جُسُومِهم فـلـيـس لـهـم حتى النشورِ نشورُ

فإن الجاهل ميت القلب والروح، وإن كان حي البدن؛ فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض، قال الله -تعالى-: ( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَ?لِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:122) ، وقال -تعالى-: ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ . لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ) (يس:69-70) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ ) (النمل:80) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) (فاطر:22) ، وشبههم في موت قلوبهم بأهل القبور؛ فإنهم قد ماتت أرواحهم، وصارت أجسامهم قبورًا لها، فكما أنه لا يسمع أصحاب القبور، كذلك لا يسمع هؤلاء، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة وملزومهما، فهذه القلوب لمَّا لم تحس بالعلم والإيمان ولم تتحرك له؛ كانت ميتة حقيقة، وليس هذا تشبيهًا لموتها بموت البدن؛ بل ذلك موت القلب والروح.

وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد من كلام لقمان أنه قال لابنه: "يا بني جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل القطر".

وقال معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: "تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقوامًا؛ فيجعلهم في الخير قادة وأئمة؛ تُقتص آثارهم، ويقتدَى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، تَرغبُ الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه؛ لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظُّلَم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلا في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعٌ له، يُلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء". رواه الطبراني وابن عبد البر، وغيرهما، وقد روي مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، والوقف أصح. والمقصود قوله: "لأن العلم حياة القلوب من الجهل" فالقلب ميت، وحياته بالعلم والإيمان" (انتهى كلام ابن القيم -رحمه الله- من مدارج السالكين) .

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة