شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (50) آيات من القرآن في ذم القسوة (28)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: مَن واظب على: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت" كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر أربعين مرة؛ أحيا الله بها قلبه ( قلتُ: هذا الأمر وإن قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ونقله ابن القيم عنه -رحمهما الله-، فإن تحديد موعد وعدد لذكر معين -دون دليل من الشرع- لا شك أنه يدخل في حيز البدعة)، وكما أن الله -سبحانه- جعل حياة البدن بالطعام والشراب؛ فحياة القلب بدوام الذكر، والإنابة إلى الله، وترك الذنوب والغفلة الجاثمة على القلب، والتعلق بالرذائل والشهوات المنقطعة عن قريبٍ؛ يضعف هذه الحياة، ولا يزال الضعف يتوالى عليه حتى يموت، وعلامة موته: أنه لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، كما قال عبد الله بن مسعود: أتدرون مَن ميت القلب الذي قيل فيه؟

ليس مَن مات فاستراح بميت إنـما الـميــت مـيــت الأحـيـاء

قالوا: ومَن هو؟ قال: الذي لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا!

والرجل هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه؛ إذ أكثر هؤلاء الخلق يَخافون موت أبدانهم، ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة الطبيعية؛ وذلك من موت القلب والروح.

فإن هذه الحياة الطبيعية شبيهة بالظل الزائل، والنبات السريع الجفاف، والمنام الذي يُخيَّل كأنه حقيقة؛ فإذا استيقظ عرف أنه كان خيالًا، كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لو أن الحياة الدنيا مِن أولها إلى آخرها أوتيها رجلٌ واحدٌ، ثم جاءه الموت؛ لكان بمنزلة مَن رأى في منامه ما يسره ثم استيقظ، فإذا ليس في يده شيء.

وقد قيل: إن الموت موتان؛ موت إرادي، وموت طبيعي، فمَن أمات نفسه موتًا إراديًّا كان موته الطبيعي حياة له. ومعنى هذا: أن الموت الإرادي هو قمع الشهوات المُرْدية، وإخماد نيرانها المحرقة، وتسكين هوائجها المتلفة؛ فحينئذٍ يتفرغ القلب والروح للتفكر فيما فيه كمال العبد، ومعرفته، والاشتغال به.

ويرى حينئذٍ أن إيثار الظل الزائل عن قريب على العيش اللذيذ الدائم أخسر الخسران، فأما إذا كانت الشهوات وافدة، واللذات مُؤثَرَة، والعوائد غالبة، والطبيعة حاكمة؛ فالقلب حينئذٍ إما أن يكون أسيرًا ذليلًا، أو مهزومًا مخرجًا عن وطنه ومستقره الذي لا قرار له إلا فيه أو قتيلًا ميتًا، وما لِجُرْحٍ بمَيتٍ إيلامُ.

وأحسن أحواله أن يكون في حرب؛ يُدال له فيها مرة، ويدال عليه مرة؛ فإذا مات العبد موته الطبيعي كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والأحوال الفاضلة التي حصلت له بإماتة نفسه، فتكون حياته هاهنا على حسب موته الإرادي في هذه الدار.

( قلتُ: وأما موت النفس الإرادي فهو عبارة عن موت شهواتها المحرمة؛ لا موت رغباتها بالكلية، فلم يزل أصحاب الحياة الكاملة مِن الأنبياء وأصحابهم الكرام يتناولون مِن الشهوات التي أحلَّها الله -عز وجل- ما يستعينون بها على ما أراده الله -سبحانه وتعالى-؛ وليس المطلوب إماتة النفس عن رغباتها بالكلية، ولكن إماتة الأمر بالسوء منها، فالنفس المريضة إذا أُميتت تبقى النفس المطمئنة).

وهذا موضع لا يفهمه إلا أَلِبَّاءُ الناس وعقلاؤهم، ولا يعمل بمقتضاه إلا أهل الهمم العلية، والنفوس الزكية الأبية" (انتهى من مدارج السالكين) .

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة