كيف نتأدب مع الله (3-3)
عصام حسنين • التزكية
وقال العلامة السعدي في تفسيره: "هذا متضمن للأدب مع الله -تعالى-، ومع رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والتعظيم له، واحترامه وإكرامه؛ فأمر الله عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالله وبرسوله، من امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين خلف أوامر الله، متابعين لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع أمورهم، وأن لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا حتى يقول، ولا يأمروا حتى يأمر.
فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته تفوته السعادة الأبدية والنعيم السرمدي، وفي هذا النهي الشديد عن تقديم قول غير الرسول -صلى الله عليه وسلم- على قوله؛ فإنه متى استبانت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها كائناً ما كان".
تاسعاً: ومن الأدب مع الله -تعالى- الوقوف بين يديه طاهراً من الحدث والخبث، ومتجملاً في الظاهر والباطن؛ لقوله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (لأعراف:31)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة -العورة-، وما سوى ذلك من جيد المتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد"، وكذلك قال غير واحد من السلف.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وفي هذه الآية وما ورد في معناها من السنة؛ أنه يستحب التجمل عند الصلاة، ولاسيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب لأنه من الزينة، والسواك لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس البياض لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم...) رواه أحمد بسند صحيح".
وقد ورد عن بعض السلف أنه كان له حُلة بألف دينار يلبسها وقت الصلاة ويقول: "ربي أحق من تجملت له"، ومن أدبه مع الله -تعالى- في صلاة ألا يرفع بصره إلى السماء.
قال ابن تيمية معلقاً على حديث النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة:
"وهذا من كمال الأدب، أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقاً، خافضاً طرفه إلى الأرض، ولا يرفع بصره إلى فوق".
ومن الأدب أيضاً وضع اليمنى على اليسرى حال القيام، وكذلك السكون في الصلاة قال -تعالى-: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة:238)، أي خاشعين، وقال -تعالى-: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) (المعارج:23)، أي ساكنون لا يلتفتون يميناً ولا شمالاً، وفي حال سماع القرآن أن يُلقي السمع وهو شهيد، وأن يكون شأنه الفهم ثم التطبيق.
كما قال الحسن -رحمه الله-:
"كان الذين من قبلكم ينظرون إلى القرآن على أنه رسائل من ربهم فيتدبرونها بالليل ويطبقونها بالنهار".
وكذلك في حال الركوع يعظم الرب -تعالى- بحيث لا يكون شيء في قلبه أعظم من الله -تعالى-.
وفي حال السجود يعظم ربه ويري ذله وخضوعه لله -تعالى-، وهكذا في كل عبادة لله -تعالى-يؤديها على الوجه الأكمل، ويسأل ربه القبول ويخاف أن ترد عليه، وأن يستحضر المعاني الإيمانية الخاصة بها من انقياده وامتثاله أمر ربه وتعظيمه إياه.
وبعد....
فهذا غيض من فيض في التأدب مع الله -تعالى-، ونسأل الله -تعالى- أن يجعلنا من أهل أدبه، وأن يوفقنا لمرضاته، وأن يجعل حياتنا خالصة له، وأن يجعل خير أيامنا يوم نلقاه... آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
