شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مصيبة موت العلماء!

نصر رمضان • التزكية

فأكبر حرمان للأمة أن تفقد علماءها وأهل الفكر والرأي، والحكمة والفقه، والبصيرة، فهم كنوزها الإستراتيجية المذخورة؛ فيتركون في بنيانها ثلمًا لا تسد ولا تعوض، فإذا كانت الجبال أسبابًا يحفظ الله بها الأرض، قال -تعالى-: ( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) (النبأ:7) ، وقال -تعالى-: ( وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) (النحل:15) ، فأهل العلم -كذلك- يحفظ الله بهم الأرض، وقد ذكر المفسرون في قوله -تعالى-: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) (الرعد:41) ، أن نقصان الأرض بموت العلماء. قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في رواية: "خرابها بموت فقهائها، وعلمائها، وأهل الخير منها"، وكذا قال مجاهد: "هو موت العلماء" (تفسير ابن كثير) .

وعن مجاهد -رحمه الله- أنه قال: "ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض، فقيل له: أتبكي الأرض؟ فقال: تعجب؟َ وما للأرض لا تبكي على عبدٍ كان يعمرها بالركوع والسجود؟، وما للسماء لا تبكي على عبدٍ كان تكبيره وتسبيحه فيها كدويّ النحل!".

وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- أنه بكى عند موت عمر -رضي الله عنه-، فقيل: "ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام أبكي؛ إنه بموت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة" (الطبقات لابن سعد) .

وفي الطبقات -كذلك- عن زيد بن وهب -رحمه الله- قال: "أتينا عبد الله بن مسعود، فذكر عمر فبكى حتى ابتل الحصي من دموعه، وقال: إن عمر كان حصنًا حصينًا للإسلام، يدخل الإسلام فيه ولا يخرج منه، فلما مات أثلم الحصن، فإذا الناس يخرجون عن الإسلام ولا يدخلون فيه".

قال ابن القيم -رحمه الله-: "لما كان صلاح الوجود بالعلماء، ولولاهم كان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا كان موت العالم مصيبة لا يجبرها إلا خلف غيره له" (مفتاح دار السعادة) .

وجاء في "مجمع الزوائد" عن سعيد بن المسيب قال: "شهدت جنازة زيد بن ثابت، فلما دفن في قبره قال ابن عباس: يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، وايم الله لقد ذهب اليوم علم كثير" (رواه الطبراني) .

وقال كعب -رحمه الله-: "عليكم بالعلم قبل أن يذهب، فإن ذهاب العلم موت أهله، موت العالم نجم طمس، موت العالم كسر لا يجبر، وثلمة لا تسد، بأبي وأمي العلماء -أحسبه قال- قبلتي إذا لقيتهم، وضالتي إذا لم ألقهم، لا خير في الناس إلا بهم" (أخلاق العلماء للآجري) .

فثلمة موت العلماء لا تسد، والمصيبة بفقدهم لا تُحد، والفجيعة بموتهم نازلة لا تنسى، وفاجعة لا تمحى، والخطب بفقدهم جلل، والخسارة فادحة، فموت العالم ليس موت شخص واحد، ولكنه بنيان قوم يتهدم، وحضارة أمة تتهاوى.

وقد كان السلف -رحمهم الله- يأسون أشد الأسى لفقد عالم من العلماء، قال أيوب -رحمه الله-: "إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي"، وقال يحيى بن جعفر: "لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل -أي: البخاري- من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم".

ومع شدة حزننا، وتألمنا لموت عالم من العلماء؛ إلا أنه يلزمنا أن نعلم أنه ليس معنى موت واحد من العلماء، ضياع الأمة، وتوقف مسيرة الدعوة، ففيما بقي من أهل العلم خير كثير، والأمة زاخرة بالكفاءات العلمية، مليئة بالرجال المخلصين الذين يحملون مشعل الهداية -والحمد لله رب العالمين-؛ فلا ينبغي أن يخور العزم، وأن يضعف العطاء، فراية العلم والدعوة محفوظة -بإذن الله- ما دام الكتاب والسنة محفوظين، ولا يخلو زمان من قائم لله بحجة.

فكم مات من عالم! وكم دُفن من إمام!

بل قد مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ودين الله باقٍ، وأعلامه باقية بعده مرفوعة على يد أتباعه من علماء الأمة وورثة الأنبياء ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (آل عمران:144) ؛ فهذه الأمة لا تموت بموت رجالها، بل إن الله يهيئ لها ممَن يخلفهم ما يجدد به ذكرهم، ويواصل به مسيرتهم، ويرفع به رايتهم، إلى ما شاء الله.

ولا يزال الله يغرس في هذه الأمة مَن يبصرها بأمر دينها، وينفي عن الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، قال حمَّاد بن زيد: "حضرت أيُّوب السختياني وهو يغسِّل أحد أصحابه، وهو يقول: "إن الذين يتمنون موت أهل السنة ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (التوبة:32) ".

ولذا يلزمنا أن نسمو بهممنا، وأن ننهض بمهماتنا، في نصرة دين الله -عز وجل-، بالإقبال على تحصيل العلم الشرعي، والتفقه في الدين، ثم القيام بالدعوة لهذا الدين على علم وبصيرة، يأخذ اللاحق راية الحق من السابق، ويجتهد أن تبقى مرفوعة ما كان فيه عين تطرف، وقلب ينبض، إلى أن يسلمها لمن بعده، فتستمر مسيرة العطاء والعمل لهذا الدين؛ كالشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال ابن مسعود: "عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه هلاك العلماء، والذي نفسي بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله أن يبعثهم الله علماء؛ لما يرون من كرامتهم" (مفتاح دار السعادة) .

قال النووي -رحمه الله-: "تعلموا العلم من أهله المحققين الورعين قبل ذهابهم، ومجيء قوم يتكلمون في العلم بمثل نفوسهم وظنونهم التي ليس لها مستند شرعي" (المجموع) .

فيلزمنا الاستفادة من أهل العلم حال حياتهم، مع ملازمة الصبر والمثابرة والاحتساب، والسير على منوالهم، والتشبه بحالهم، والعظة والاستشعار بالمسئولية بموتهم.

وكانت في حياتك لي عظات وأنت اليوم أوعظ منك حيًّا

اللهم ارحم علماءنا ومشايخنا رحمة واسعة، واجعل أنوارهم على الدوام ساطعة، وذكرهم وذكراهم نافعة، اللهم مَن أحييته منهم فبارك في عمره وعلمه وسعيه، وسدده ووفقه وثبته، ومَن مات منهم فتغمده بالرحمة والغفران، والروح والريحان، والرضا والرضوان، وأعل مقامه في الجنان، وتقبله في الصالحين، واحشره مع الشهداء والنبيين.

الصفحة السابقة