قصة أصحاب الكهف (3) هجرة الفتية وفرارهم بالدِّين (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الشاهد مِن الآيات على خروج الفتية وهجرتهم فرارًا بالدِّين: قال -تعالى-: ( وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا ) (الكهف:16) .
- شرح إجمالي لما تضمنته الآية، ثم الإشارة إلى الوقفات التالية: (دعوية - عقدية - تربوية - إيمانية).
الوقفة الدعوية: فضل الهجرة في سبيل الله:
- لقد ضرب الفتية أروع مثال في بيان أن قضية العبودية هي وظيفة الحياة وغايتها، والواجب وجودها، وأنها مقدَّمة على الأهل والمال والوطن، فالمؤمن يعبد الله في كل مكان من أرضه: قال -تعالى-: ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ . كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (العنكبوت:56-57) .
- الهجرة إعلان صريح للمفاصلة بين الإيمان والكفر، وهجر سائر المحاب التي تحول بين المؤمن وربه: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ . قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (التوبة:23-24) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ ) (رواه أبوداود والترمذي، وصححه الألباني) .
الهجرة شاقة على النفوس، ولكن أجرها عظيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ) (رواه مسلم) .
- الهجرة هي أعظم عمل قام به الفتية، وهي محور القصة، وسبب ذكرها الأعظم في القرآن، ليقتدي بهم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون في كل زمان.
الوقفة العقدية: العذر بالإكراه من أصول الدين:
- فرار أصحاب الكهف كان بعذر الإكراه المعتبر شرعًا: ( إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) (الكهف:20) .
- الإكراه المعتبر رافع للإثم وللتكفير: ( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ) (النحل:106) . من أمثلة الإكراه المعتبر: (التهديد بالقتل - السجن الذي يشق عليه - ضرب ولده أو حبس مَن يشق عليه حبسه).
- العذر بالإكراه عام لجميع الأمم على الصحيح: ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) (غافر:28) . (ماشطة بنت فرعون كانت تكتم إيمانها - غلام الأخدود كان يكتم إيمانه على أهله والساحر).
- والجواب عن حديث: ( رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطأُ والنِّسْيانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ؛ أنه لا مفهوم له؛ لأنه في مقام الامتنان، فلا يُؤخَذ منه مفهوم المخالفة.
- فَرْق بين الإكراه المعتبر والإكراه الموهوم: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) (العنكبوت:10) ، وقال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:97) .
- الثبات أفضل مِن الترخص؛ لاسيما في حق العالم والكبير: قال الإمام أحمد: "إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتي يتبين الحق؟" (البحر المحيط لابن حبان) . (موقف غلام الأخدود - مواقف الصحابة: ياسر وسمية، وبلال وصهيب، وغيرهم).
الوقفة التربوية: العزلة وضوابطها:
- لقد كانت العزلة في حق أصحاب الكهف واجبة؛ لأن البقاء مع الكفار والمخالطة لهم فيها فتنة في الدِّين: ( وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ).
- فائدة: الإشارة إلى خلاف العلماء في المخالطة والعزلة لعموم المسلمين.