وقفات مع قصة أصحاب الكهف (5) بعث الفتية بعد النوم الطويل (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • مع الدعاة
- سواء كان ذلك مشروعًا لمن كان قبلنا، أو أن الجهلة أصحاب النفوذ والسلطان هم من رأى ذلك، فهو محرم في شريعتنا: قال -تعالى-: ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) (الجن:18) ، وعن عائشة وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم- قالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: ( لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. (متفق عليه) . وفي حديث أم سلمة قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) .
- الخلاف بين العلماء في حكم الصلاة في هذه المساجد، يدور بين البطلان والكراهة الشديدة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) (رواه مالك في الموطأ مرسلًا، وصححه الألباني) .
- شبهة أخرى: ما تقولون في المسجد النبوي الذي فيه قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؟
- الجواب: كان دخول القبر في المسجد سنة 88 هـ، بفعل أحد الأمراء بقصد توسعة المسجد، وقد نهاه بعض السلف، ثم إنه لا يجوز ترك الصلاة فيه لعظيم فضلها فيه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ؛ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ ) (متفق عليه) .
(3) وقفة تربوية: ترك الجدال والمراء فيما لا كثير فائدة فيه:
- ذمَّ الله مراء الناس في عدة أصحاب الكهف؛ لأن ذلك يخرجهم عن العبرة والهدف المقصود من القصة: ( سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ).
- طريقة أهل الكتاب ومَن تأثر بهم؛ هي الاهتمام والمراء فيما لا كبير فائدة فيه: (أسماء الفتية ووظائفهم ومكان الكهف - نوع الخشب الذي صَنَع منه نوح -عليه السلام- السفينة - نوع الشجرة التي أكل منها الأبوان - ... )، قال الله -تعالى-: ( فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ).
- تأمل طريقة القرآن في تناول قصة صاحب يس، والانتقال مِن أحداث الدنيا مع قومه إلى الجنة دون التعرض لتفاصيل طريقه قتله واستشهاده -رحمه الله-؛ تربية للمؤمنين على هضم حظوظ النفس: ( إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ) (يس: 25-26) .
(4) وقفة إيمانية: أثر الإخلاص في بركة العمل:
- لم تتجاوز دعوة الفتية في قومهم أيامًا، لكنها أثرت بالخير قرونًا وأعوامًا: (أثر دعوتهم في إيمان قومهم من بعدهم - أثر القصة على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لاسيما عند الهجرة - أثر القصة على المؤمنين إلى يوم القيامة - ذكرهم في القرآن وتسمية السورة على قصتهم).
- هكذا أثر الإخلاص في بركة الأعمال، فإن الأعمال اليسيرة تعيش بعد أصحابها وتترك آثارها الكثيرة: (غلام الأخدود كانت دعوته أيامًا، ولكنها أثرت في قومه زمانًا وأجيالًا - دعوة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- لمكة وأثرها قرونًا وأجيالًا).
- قد يقول قائل: ألم يكن مِن الأفضل أن يبقى الفتية دعاة إلى الله، وبذلك يتأثر الناس أكثر بدعوتهم؟
- والجواب: إن مهمتهم قد انتهت، ونالوا أجرهم، وقد أدَّوا رسالتهم: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) (النصر) .
(5) خاتمة: أهم الدروس المأخوذة:
لقد كانت لنا وقفات نحو خمس عشرة وقفة، والقصة فيها أكثر من ذلك، وكان مِن أبرزها خمسة:
أ- أهمية دور الشباب في نصرة الدين.
ب- لابد من التضحية والبذل لأجل الدين.
ت- الهجرة الشرعية باقية إلى يوم القيامة.
ث- إيواء الله وحفظه لمن حفظ دينه.
ج- عظيم فائدة القصص القرآني.
وأخيرًا: أين أنت من موقف أصحاب الكهف وتضحيتهم؟ وأين كهفك؟
إن كهف هذا الزمان هو التحصن بالعقيدة السليمة، واتباع الهدى الصحيح، وتزكية النفوس بالأعمال الصالحة: ( فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ) (الكهف:16) .
نسأل الله أن يثبتنا على دينه حتى نلقاه.
والحمد لله رب العالمين.