شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (55) أحاديث في ذمِّ القَسْوة والعُنْف والغِلْظَة، ومَدْح الرِّفْق واللَّيْن (1)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وأما قوله: ( أهْلِ الخَيْلِ والإِبِلِ الفَدّادِينَ؛ أهْلِ الوَبَرِ ) فالوبر: -وإن كان من الإبل دون الخيل- فلا يمتنع أن يكون قد وصفهم بكونهم جامعين بين الخيل والإبل والوبر.

وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( والسَّكِينَةُ في أهْلِ الغَنَمِ ) أي: الطمأنينة والسكون؛ على خلاف ما ذكره من صفة الفدَّادين" (هذا آخر ما ذكره أبو عمرو بن الصلاح، نقلًا مِن شرح النووي على صحيح مسلم) .

وليس المقصود ذمَّ كلِّ المشارقة، وإنما كما ذكر؛ كان ذلك في زمنه -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث كان الغلاظ القلوب الذين لا يفقهون من أهل نجد، وخرج منهم بعد ذلك مسيلمة الكذاب، والَّدجَّال من قِبَل المشرق، ويأجوج ومأجوج كذلك يخرجون من جهة المشرق، وينزلون إلى الأرض؛ ولذا حَرَّز الله عباده المؤمنين مع عيسى -صلى الله عليه وسلم- في جبل الطور في الغرب بعيدًا عن مخرج يأجوج ومأجوج.

وقد حاول بعض المغرضين الاستدلال بهذه الأحاديث على ذمِّ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-؛ لأنها ظهرت بنجد، وهذا من الباطل بلا شك؛ فليس كلُّ مَن كان مِن جهة المشرق مذمومًا؛ فالبخاري -رحمه الله- من جهة المشرق، ومسلم من جهة المشرق، وكم من أهل الخير كانوا في جهة المشرق، وإنما العبرة بوجود الصفات والغلظة، وقد كانت صفة القسوة في أهل نجد في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكثيرًا بعدها.

وقال الخطابي -رحمه الله-: "إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم عليه من أمور دنياهم وتلهيهم عن الآخرة، وتكون منها قساوة القلب" (عمدة القاري للعيني) .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال عن صفة النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) (الأحزاب:45) ، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ " (رواه البخاري) .

قال القاري -رحمه الله-: "والمعنى ليس بسيئ الخلق أو القول. ولا غليظ أي: ضخم كريه الخلق أو سيئ الفعل، أو غليظ القلب وهو الأظهر؛ لقوله -تعالى-: ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنهُم وَاستَغْفِرْ لَهُم وَشاوِرْهُم فِي الأَمْرِ ) (آل عمران:159) .

( وَلَو كُنتَ فَظًّا غَليظَ القَلبِ ): أي: شديده وقاسيه، فَيُناسِب حينئذٍ أن يكون الفَظُّ معناه: بذاذة اللسان، ففيه إيماء إلى طهارة عضويه الكريمين مِن دنس الطبع، ووسخ هوى النفس الذميمين. وقد قال الكلبي: فَظًّا في القول، غليظ القلب في الفعل" (انتهى مِن "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح") .

وقال المناوي -رحمه الله-: "(ليس بفَظٍّ) أي: شديد، ولا قاسي القلب على المؤمنين. (ولا غَلِيْظٍ) أي: سيئ" (التيسير بشرح الجامع الصغير) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رَجُلًا شَكا إلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَسوَةَ قَلبِه، فقال له: ( إنْ أرَدتَ أنْ يَلينَ قَلبُكَ؛ فأَطعِمِ المِسكينَ، وامسَحْ رَأسَ اليَتيمِ ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .

قال الملا علي القاري في شرحه للحديث: "(قَسوَةَ قَلبِه) أي: قساوته وشدته، وقلة رقته وعدم ألفته ورحمته. (وامسَحْ رَأسَ اليَتيمِ)؛ لتذكر الموت فيغتنم الحياة، فإن القسوة منشؤها الغفلة، و"أَطعِمِ المِسكينَ"؛ لترى آثار نعمة الله عليك؛ حيث أغناك وأحوج إليك سواك؛ فيرق قلبك وتزول قسوته، ولعل وجه تخصيصهما بالذكر أن الرحمة على الصغير والكبير مُوجِبة لرحمة الله -تعالى- على عبده المتخلق ببعض صفاته (يعني: بما يناسب المخلوق من ذلك)؛ فيُنْزِل عليه الرحمة ويرتفع عنه القسوة، وحاصله: أنه لا بد من ارتكاب أسباب تحصيل الأخلاق بالمعالجة العلمية أو بالعملية أو بالمعجون المركب منهما" ( انتهى مِن "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح") .

الصفحة السابقة