شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (57) أحاديث في ذمِّ القَسْوة (3)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ ) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ ).

قال ابن حجر -رحمه الله-: "الرفق هُوَ: لِينُ الْجَانِبِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالْأَخْذِ بِالْأَسْهَلِ، وَهُوَ ضد العنف، وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ ) فِي حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ )، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَتَأَتَّى مَعَهُ مِنَ الْأُمُورِ مَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ ضِدِّهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ يُثِيبُ عَلَيْهِ مَا لَا يُثِيبُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْهَا: ( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )، وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءَ: ( مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ من الْخَيْر ) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وابن خُزَيْمَةَ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: ( مَنْ يُحْرَمُ الرِّفْقَ يُحْرَمُ الْخَيْرَ كُلَّهُ ) (انتهى من فتح الباري لابن حجر) .

وروى مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال للأشج -أشج عبد القيس-: ( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ ).

قال النووي -رحمه الله-: "أَمَّا الْأَشَجُّ فَاسْمُهُ: الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ الْعَصَرِيُّ؛ هذا هو الصحيح المشهور. وقال: أَمَّا الحلم: فهو العقل، وأما الأناة: فهي التثبت وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ، وَسَبَبُ قَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَلِكَ لَهُ؛ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْوَفْدِ أَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا الْمَدِينَةَ بَادَرُوا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَقَامَ الْأَشَجُّ عِنْدَ رِحَالِهِمْ فَجَمَعَهَا وَعَقَلَ نَاقَتَهُ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النبى -صلى الله عليه وسلم- فقربه النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تُبَايِعُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَقَوْمِكُمْ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ، فَقَالَ الْأَشَجُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَمْ تُزَاوِلِ الرَّجُلَ عَنْ شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِ، نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا وَنُرْسِلُ مَنْ يَدْعُوهُمْ؛ فَمَنِ اتَّبَعَنَا كَانَ مِنَّا، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ، قَالَ: صَدَقْتَ، إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ الحلم والأناة". قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فَالْأَنَاةُ تَرَبُّصُهُ حَتَّى نَظَرَ فِي مَصَالِحِهِ وَلَمْ يَعْجَلْ، وَالْحِلْمُ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ الدَّالُّ عَلَى صِحَّةِ عَقْلِهِ وَجَوْدَةِ نَظَرِهِ لِلْعَوَاقِبِ، قُلْتُ: وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ؛ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْأَشَجِّ: ( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ )، الْحَدِيثَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَا فِيَّ أَمْ حَدَثَا؟ قَالَ: بَلْ قَدِيمٌ، قَالَ: قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا الله" (انتهى من شرح مسلم للنووي) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ) (متفق عليه) .

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (متفق عليه) .

وعن جَرير بن عبد الله -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إنَّ الله لَيُعْطي على الرفْقِ ما لا يُعْطِي على الخَرْقِ، وإذا أحَبِّ الله عَبْداً أعطاهُ الرفْقَ، ما مِنْ أهْلِ بَيْتٍ يُحْرَمُون الرفْقَ؛ إلا حُرِموا الخَيْرَ ) (رواه الطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره) ، ورواه مسلم وأبو داود مختصرًا: ( مَنْ يُحْرَم الرِّفْقَ يُحْرَم الخَيْرَ ).

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إنّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُ الرِّفْقَ ويَرْضاهُ ويُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ على العُنْفِ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية