فوائد وعِبَر مِن قصة نبي الله الخضر -عليه السلام- (1) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- أحدهما: قوله -تعالى-: ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا )، والأظهر: أن هذه الرحمة هي رحمة النبوة، وهذا العلم هو ما يوحى إليه به من قبل الوحي.
- الثاني: قول موسى -عليه السلام- له: ( قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا . قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا . قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا . قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا )، فلو كان غير نبي لم يكن معصومًا، ولم يكن لموسى -وهو نبي عظيم، ورسول كريم، واجب العصمة- كبير رغبة، ولا عظيم طلبة في علم وَليٍّ غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه، والتفتيش عنه ولو أنَّه يمضي حقبًا من الزمان؛ قيل: إنها ثمانون سنة، ثمَّ لما اجتمع به، تواضع له، وعظّمه، واتبعه في صورة مستفيد منه؛ فدلَّ على أنه نبيٌّ مثله، يُوحَى إليه كما يوحى إليه، وقد خُصَّ مِن العلوم اللدنيَّة والأسرار النبويَّة بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم -عليه السلام-، نبيَّ بني إسرائيل الكريم.
- الثالث: أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام، وهذا دليل مستقلٌّ على نبوتَّه، وبرهان ظاهر على عصمته؛ لأنَّ الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يُلْقَى في خلده؛ لأنَّ خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز الخطأ عليه بالاتفاق، ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علمًا منه بأنّه إذا بلغ يكفر، ويحمل أبويه على الكفر لشّدة محبتهما له، فيتابعانه عليه، ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته؛ دلَّ ذلك على نبوته، وأنه مؤيد من الله بعصمته.
- الرابع: أنّه لمَّا فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى، ووضَّح له عن حقيقة أمره وجلاَّه، قال بعد ذلك كلّه: ( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي )؛ يعني: ما فعلتُه مِن تلقاء نفسي، بل أُمرت به، وأوحي إليَّ فيه. (البداية والنهاية لابن كثير) .
ثانيًا: أدلة السُّنة:
1- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لو صَبَرَ حتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِن أمْرِهِمَا ) (رواه البخاري) .
- وفي تمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الاطلاع على ما يقع بينهما؛ دليل على أن الخضر كان موحى إليه، ولو لم يكن كذلك؛ لما جاز هذا التمني بأن ينتظر الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- أمرًا غير موحى إليه.
2- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمَّا لَقِيَ مُوسَى الْخَضِرَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- جَاءَ طَيْرٌ فَأَلْقَى مِنْقَارَهُ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى تَدَبَّرْ مَا يَقُولُ هَذَا الطَّيْرُ، قَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: مَا عِلْمُكَ وَعِلْمُ مُوسَى فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا أَخَذَ مِنْقَارِي مِنَ الْمَاءِ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
- فهذا صريح في أن الخضر قد علم منطق الطير، وهو مِن الغيب الذي لا يعلمه البشر؛ فهو في هذا على نحو النبي سليمان -عليه السلام- الذي حكى عنه القرآن: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ ) (النمل:16) .
3- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بيْنَما مُوسَى في مَلَإٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهُ رَجُلٌ فقالَ: هلْ تَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمَ مِنْكَ؟ قالَ مُوسَى: لا، فأوْحَى اللَّهُ عزَّ وجلَّ إلى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنا خَضِرٌ ... ) (متفق عليه) .
- إِن دلّ تَخْصِيص الله -عز وَجل- بِتِلْكَ الْأُمُور الغيبية بالخضر دون مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَام- مَعَ أَنه من أولي الْعَزْم من الرُّسُل فَإِنَّمَا يدل على نبوة الْخضر، وَيُؤَيِّدهُ سِيَاق هَذَا الحَدِيث حَيْثُ قَالَ الله -عز وَجل-: ( بلَى عَبدنَا خضر ).
(3) هل الخضر -عليه السلام- حي؟
- هناك آثار كثيرة جدًّا، وردت عن حياة الخضر، وأنه ما زال حيًّا إلى الآن، لكن كلها آثار ضعيفة، ومن أمثلتها: ما روي: أن رجلًا أو أن صوتًا عَزَّى الصحابة بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته، قال الراوي: "فكنا نرى أنه الخضر" (تفسير ابن كثير) (1) .
وجوة الاستدلال على موت الخضر -عليه السلام-:
- الأول: نفي الخلود للبشر؛ فكيف يكون للخضر حياة إلى قيام الساعة؟ قال -تعالى-: ( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ) (الأنبياء:34) .
- الثاني: كل مَن كان على وجه الأرض بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- مات يقينًا بخبر الصادق المصدوق، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا لأصحابه: ( أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ ) (متفق عليه) .
- الثالث: لو كان الخضر حيًّا لكان الواجب عليه أن يأتي النبي -صلى الله عليه وسلم- فيبايعه وينصره، فقد أخذ الله العهد على الأنبياء بذلك: قال -تعالى-: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ) (آل عمران:81) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) .
فائدة: هنا يرد إشكالان:
الإشكال الأول: هو أن عيسى -عليه السلام- كان حيًّا لما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ ).