الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (6)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
واستيعاب الفضائل هو مما مدح الله به إبراهيم -عليه السلام-، فقال -تعالى-: ( وَإِبْرَاهِيْمَ الَّذِي وَفَّى ) (النجم:37) ، والسابقون مِن هذه الأمة هم الجامعون لخصال الخير، وليس فقط المتخصصين في نوعٍ واحدٍ منها، وفي حديث الصديق -رضي الله عنه- لما سأل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أصحابه: ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (رواه مسلم) .
وكذا في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ؛ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ) (متفق عليه) .
فانظروا إلى هذه الهمة العالية، وعظموا مقاصدكم في السبق إلى أبواب الخير، واجتهدوا -يا أبناء الإسلام، ويا أبناء الدعوة- في التوفيق بين أنواع الخيرات ما استطعتم، والاستيعاب لخصال الإيمان وشعبه، ولا تقتصروا على نوعٍ واحدٍ منها؛ فإن مقصدكم في إحياء الدِّين والتمكين له في الأرض، وإعادة بناء دولته بعد اندراسها؛ لهو أشرف مقصد، فلا يتناسب معه الهمم الدنيئة، أو المقاصد الضعيفة؛ فلابد مِن محاولة الاستيعاب للفضائل أو أكثرها، جعلنا الله وإيَّاكم أئمة للمتقين.
5- ومنها: أن الرغبة في استمرار الإمامة في الدِّين، والخير في الذرية مِن بعده مِن المقاصد العظيمة التي اهتم بها الأنبياء؛ إذ طلب إبراهيم -عليه السلام- أن يكون مِن ذريته أئمة في الدِّين، وقد وصف الله -عز وجل-عباد الرحمن، فقال -سبحانه وتعالى- عن دعائهم: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِيْنَ إِمَامًا ) (الفرقان:74) .
وسُرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بسيادة الحَسَن بن علي -رضي الله عنهما-؛ وإن كان ذلك بالتنازل عن الإمامة بمعنى الحكم والسلطة؛ لينال معنى الإمامة في الصلح بين المسلمين، فقال عن الحسن: ( إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (رواه البخاري) ، وكان مِن الجزاء على ذلك عند الله -سبحانه- أن يصير المهدي في آخر الزمان مِن نسل الحسن بن علي -رضي الله عنهما-؛ يواطِئ اسمه اسم النبي -صلى الله عليه وسلم-، واسم أبيه اسم أبيه، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئتْ ظلمًا وجَوْرًا.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.