دروس وعِبَر مِن قصة أصحاب الجنة
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- الشكر وأداء الحقوق من أعظم أسباب حفظ النعم: قال -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم:7) ، وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا" (عدة الصابرين لابن القيم) ، وقال سفيان بن عيينة في قوله -تعالى-: ( سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) (الأعراف:182) ، قال: "نُسْبِغَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، وَنَمْنَعُهُمُ الشُّكْرَ" (الشكر لابن أبي الدنيا) ، وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "قَيِّدُوا النِّعَمَ بِالشُّكْرِ" (الشكر لابن أبي الدنيا) .
(3) ذم البخل والحرص:
- حرص أهل الجنة على حصد الثمار ليلًا؛ بخلًا وإمساكًا عن إخراج الجزء، فكان عاقبة ذلك ذهاب الكل: ( فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ).
- كره الشرع حصد الثمار ليلًا، حفاظًا على حق الفقير: ففي الحديث: "نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلَّم- عَنِ الْجِدَادِ بِاللَّيْلِ , وَالْحَصَادِ بِاللَّيْلِ" (رواه البيهقي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة) ، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عمال الزكاة أن يتركوا ثلث الثمر أو ربعه خارج حسبة الزكاة، ليخرج منه صاحب الثمر للجيران والأقارب والفقراء.
- البخل صفة ذميمة يكرهها كل الناس، ويؤدي إلى أسوأ الأخلاق: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( شرُّ مَا في الرجل شُحٌّ هالِعٌ، وجُبْنٌ خَالِعٌ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( لَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
- البخيل ضعيف اليقين: لقوله -تعالى-: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (سبأ:39) ، ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ) (متفق عليه) .
- البخيل تعيس مكروب الصدر في الدنيا، معاقب معذب في الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ ) (متفق عليه) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (آل عمران:180) .
- كما يُحجر على المسرف؛ فإنه يُتصرف في مال البخيل بغير إذنه عند الضرورة: عن هند بن عتبة -رضي الله عنها- قالت: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ شَحيحٌ، لا يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ ما يَكفينِي ويَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا ما أَخَذْتُ مِنْ مالِهِ بغيرِ عِلْمِهِ، فهلْ عَلَيَّ في ذلكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فقالَ: ( خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ ) (متفق عليه) .
خاتمة: خير الأمور الوسط:
- لم يَطلب الشرع من الأغنياء إخراج جميع مالهم، وفي ذات الوقت نهاهم عن الإمساك والامتناع عن منع حق الفقير في مالهم، فكان الشرع وسطًا في ذلك: قال -تعالى-: ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ) (الإسراء:29) ، وقال: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) (البقرة:143) .
- الوسطية والاعتدال صفة عباد الرحمن: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) (الفرقان:67) .
- منهج الوسطية والاعتدال في مثال: عن أنس -رضي الله عنه- قال: أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ كَثِيرٍ، وَذُو أَهْلٍ وَوَلَدٍ، وَحَاضِرَةٍ، فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقُ؟ وَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ، فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصِلُ أَقْرِبَاءَكَ، وَتَعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ، وَالْجَارِ، وَالْمِسْكِين ِ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْلِلْ لِي، قَالَ: ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) (أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ورجاله ثقات) .
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.