شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حديث الأنبياء (1)

خالد آل رحيم • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن الأنبياء أفضل البشر، ولهم مكانة خاصة عند الله -تعالى-؛ مما جعل حبهم واتباعهم عبادة يتقرب بها إلى الله -تعالى-؛ ولذلك اختارهم الله مِن أشرف الأنساب، وأفضل البقاع، وأسبغ عليهم نعمة النبوة حيث قال -تعالى-: ( اللَّـهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسالَتَهُ ) (الأنعام:124) .

قال البقاعي -رحمه الله-: "أي: أن الله بما له من صفات الكمال، أعلم مِن كلِّ مَن يمكن له منه علم، فهو لا يضع شيئًا من رسالته بالتشهي" (انتهى بتصرف يسير) .

وقال الساعدي -رحمه الله-: "وفي هذه الآية دليل على كمال حكمه الله -تعالى-؛ لأنه وإن كان رحيمًا واسع الجود، كثير الإحسان، فإنه حكيم لا يضع جوده إلا عند أهله" (انتهى) .

ولذلك لما اعترض بعض الكفار على النبي -صلى الله عليه وسلم- بقولهم: ( وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَـذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) (الزخرف:31) .

قال البغوي -رحمه الله-: "يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف" (انتهى) .

فردَّ الله عليهم بقوله: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) (الزخرف:32) .

وعدد الأنبياء والرسل كما روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر -رضي الله عنه- أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: كَمْ وَفَّى عِدَّةُ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: ( مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا ) (روه أحمد، وصححه الألباني) .

وجعل -تبارك وتعالى- الإيمان بهم أصل من أصول الدِّين حيث قال: ( وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ) (البقرة:177) .

قال الحرالي: "ففيه: أي: الإيمان بهم وبما قبلهم قهر للنفس للإذعان لمَن هو مِن جنسها، والإيمان بغيب مَن ليس مِن جنسها؛ ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها" (انتهى) .

وقال -تعالى-: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ) (البقرة:285) .

قال البقاعي -رحمه الله-: "ولما أجمل فقال مبتدئًا ( كُلٌّ ) أي: منهم، فجمعهم في كلية، كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا؛ لأن القبول واحد، والرد يقع مختلفًا" (انتهى) .

وفضَّلهم -تعالى- على جميع الخلق، وفضَّل بعضهم على بعض حيث قال: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّـهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) (البقرة:253) ، ( وَلَقَد فَضَّلنا بَعضَ النَّبِيّينَ عَلى بَعضٍ ) (الإسراء:55) .

وأفضلهم محمد -صلى الله عليه وسلم- القائل: ( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلَا فَخْرَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وجعلهم -تبارك وتعالى- من البشر لحكمة حتى يتمكَّن البشر مِن الأخذ منهم؛ إذ لو كان مِن الملائكة كما قال بعض الكفار: ( وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ) لكانوا لا يستطيعون التعامل معه ولا تحمل رؤيته؛ لصعوبة رؤية الملائكة على صورتهم الحقيقية كما ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل -عليه السلام- على صورته الحقيقية، فذهب فزعًا لخديجة -رضي الله عنها-، فلذلك ردَّ الله -تعالى- عليهم بقوله: ( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ) (الأنعام:8) ، فجعله رجلًا منهم ليدعوهم ويتعامل معهم ويفهموا عنه.

والرسل الذين ذكروا في القرآن عددهم خمسة وعشرون كما جمعها الشاعر في قوله:

فـي تـلـك حـجـتـنا مـنهم ثـمانية من بعد عشر ويبقى سبعة وهم

إدريس هود شعيب صالح وكـذا ذو الكفل آدم بالمختار قد خُتموا

وورد ذلك في قوله -تعالى-: ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:83-86) ، ومنهم أربعة مِن العرب، هم: شعيب، وهود، وصالح، ومحمد -صلوات ربي وسلامه عليهم-.

وإلى اللقاء في الحلقة القادمة -بإذن الله-.