نعمة الأمن (3)
أحمد مسعود الفقي • من نور الوحيين
وشرع الله عقوبة الجلد للزاني غير المحصن، والرجم للمحصن؛ ليحفظ على الناس أعراضهم، وليأمن الناس على أنسابهم من الاختلاط، فقال -تعالى-: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (النور:2) .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صعد المنبر فخطب الجمعة، وكان مما قال -رضي الله عنه-: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ-، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا؛ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الِاعْتِرَافُ" (متفق عليه) .
وأمر الله بجلد القاذف الذي لم يأتِ ببينة على صحة ما يقول، وهي: "أربعة شهداء قد رأوا الفعلة كالقلم في المكحلة"، بأن يجلد ثمانين جلدة، ويبقى في المجتمع مردود الشهادة، ساقط العدالة، ويعتبر من الفاسقين ما لم يتب مِن هذه الجريمة النكراء، قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (النور:4) .
فبهذا الحد الرادع تُصان الأعراض البريئة، وتخرس الألسنة البذيئة، ويأمن الناس مِن آثار هذه الجريمة حتى تنتهي نهائيًّا من المجتمع.
وأمر الله بقطع يد السارق؛ هذه اليد الخائنة التي امتدت إلى ما لا يحل لها، وعبثت بالأمن، وروَّعت الآمنين، فكان جزاؤها بترها وتعطيلها عن وظيفتها التي خُلقت من أجلها، وبهذا يتوفر الأمن للمجتمع ويأمن الناس على أموالهم وممتلكاتهم، قال الله -تعالى-: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (المائدة:38) .
وشَرَعَ اللهُ حدَّ قطَّاعَ الطريق الذين يخيفون الناس بالسلاح فيروعونهم، ويغتصبون أموالهم، ويعتدون عليهم، فقال -تعالى-: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (المائدة:33) ، وبتطبيق هذه العقوبة تؤمن السبل، وتنتظم المصالح، ويتحقق الأمن في كل مكان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.