شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوة الأَخِلَّاء لِسَلَامَة الصَّدْر وتَرْك الشَّحْنَاء

نصر رمضان • التزكية

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فالقلب السليم المحمود، هو الذي يريد الخير لا الشر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشر، فأما مَن لا يعرف الشَّر، فذاك نقص فيه لا يُمدح به".

قال ابن العربي -رحمه الله-: "لا يكون القلب سليمًا إذا كان حقودًا حسودًا معجبًا متكبرًا، وقد شرط النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإيمان، أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

إنَّ الرجل العظيم كلما ارتفع إلى آفاق الكمال اتسع صدره وامتد حلمه، وتطلب للناس الأعذار، والتمس لأغلاطهم المسوغات، وأخذهم بالأرفق من حالهم.

ولقد كان -صلى الله عليه وسلم- من أحرص الناس على سلامة قلبه، فكان يقول في دعائه: ( ‌رَبِّ ‌تَقَبَّلْ ‌تَوْبَتِي، ‌وَاغْسِلْ ‌حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . والسخيمة: الحقد، والضغينة والموجودة في النفس. قال في النهاية: "وقوله: ( وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي ): هي الحقد في النفس، أي: أخرجه.

ولقد كان معيار الأفضلية عند أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: طهارة القلوب، وسلامة الصدور، وليس بكثرة العبادات.

قال إياس بن معاوية في وصف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدرًا، وأقلهم غيبة"، وقال سفيان بن دينار: "قلت لأبي بشير -وكان من أصحاب علي-: أخبرني عن أعمال مَن كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويؤجرون كثيرًا، قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم".

ولذلك لما حضرت الوفاة أبا دجانة -رضي الله عنه- كان وجهه يتهلل، فلما سئل عن ذلك؛ قال: "ما من عملي شيء أوثق عندي من اثنتين: أما إحداهما: فكنتُ لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى: فكان قلبي للمسلمين سليمًا".

ودخل عمران بن طلحة بن عبيد الله بعد (وقعة الجمل) على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وقد استشهد أبوه طلحة -رضي الله عنه- فرحب به، ثم أدناه، ثم قال: "إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك ممَّن قال فيهم: ( ‌وَنَزَعْنَا ‌مَا ‌فِي ‌صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) الحجر:47).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وما رأيتُ أحدًا قط أجمع لهذه الخصال مِن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه-، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددتُ أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه! وما رأيته يدعو على أحدٍ منهم قط، وكان يدعو لهم. قال: وجئت يومًا مبشِّرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوةً وأذى له، فنهرني، وتنكر لي واسترجع. ثم قام من فوره إلى أهل بيته -أي: ذلك الخصم الذي مات- فعزَّاهم، وقال: أنا لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه... فسُّروا به ودعوا له، وعظَّموا هذه الحال منه -فرحمه الله ورضي عنه-".

وكتب -رحمه الله- رسالة فيمن ظلمه، وخالفه، وحقد عليه، فيقول: "وأول ما أبدأ به مِن هذا الأصل: ما يتعلق بي، فتعلمون -رضي الله عنك- إني لا أحب أن يؤذى أحدٌ مِن عموم المسلمين -فضلًا عن أصحابنا- بشيء أصلًا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم، ولا لوم أصلًا، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا، أو مخطئًا، أو مذنبًا، فالأول: مشكور. والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه، مغفور له. والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين، فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل كقول القائل: فلان قصر، فلان ما عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فإني لا أسامح مَن آذاهم مِن هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل مثل هذا يعود على قائله بالملام؛ إلا أن يكون له مِن حسنة، وممَّن يغفر الله له -إن شاء الله-، وقد عفا الله عما سلف.

فلا أحب أن ينتصر مِن أحدٍ بسبب كذبه عليَّ، أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللت كل مسلم، وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن مِن الخير ما أحبه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا منهم في حل من جهتي.

إذا أدمـت قـوارصـكم فـؤادي صبرت على أذاكم وانطويت

وجـئـت إليكم طـلـق المحـيا كـأني ما سمعـت ولا رأيــت

قال صديق لابن السَّمَّاك: "موعدنا غدًا نتعاتب. فقال له: بل موعدنا غدًا نتغافر".

مِن الـيـوم تـعـارفـنا ونطوي ما جَرَى منا

فلا كـــان ولا صــار ولا قــلتــم ولا قــلـنا

وإن كــــان ولا بــد من العتبِ فبالحسنى

الصفحة السابقة