شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نعمة الأمن (4)

أحمد مسعود الفقي • التزكية

وأما العدل فهو مجانبة الظلم، والتزام الوسطية في كل شيء، كذا التزام الحق مع جميع الخلق، ولم يقتصر العدل في الإسلام على التشريعات والأحكام الإسلامية، وإنّما شمل حياة الفرد والمجتمع بكلِّ ما فيها، فهو منهج عام، وقيمة إنسانية مطلقة، لا يجري عليها أي استثناء؛ يعني تحريم ظلم أي أحدٍ من الناس مؤمنًا كان أم كافرًا، برًّا كان أم فاجرًا، ولا يجوز لمسلمٍ عابدٍ قانتٍ أن يظلم مشركًا فاجرًا داعرًا؛ فلا يستبيح دمه أو ماله بلا حق، وهذا من معاني كون النبي -صلى الله عليه وسلم- أرسل رحمةً للعالمين كما في قوله -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء:107) ، فإنه جاء بشريعة تأمر بالعدل مع كلِ أحدٍ، وتنهى عن ظلمِ أيِّ أحدٍ، وقد أمر -سبحانه- بالقسط وهو العدل في الأقوال والأفعال، مع الصَّديق والعدوِّ، والقريب والبعيد، والمسلم وغير المسلم على حدٍّ سواءٍ، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة:8) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "( كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ) أي: قوَّامين بالحقِّ لله -عز وجل- لا لأجل النَّاس والسُّمعة، وكونوا ( شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ) أي: بالعدل لا بالجور" (تفسير ابن كثير) ، وقوله -سبحانه-: ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ) الشنآن: البُغض الشَّديد.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "لا يحملنَّكم بغضُ قومٍ على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كُلِّ أحدٍ؛ صديقًا كان أو عدوًّا؛ ولهذا قال: ( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (النحل:90)" .

والعدل ظل الله في أرضه، ورحمته -سبحانه- في خلقه، والحارس للعقيدة والمال والنفس والعرض، وهو خصب البلاد وأمن العباد؛ به قامت السماوات والأرض، فإلى العدل يأوي الضعفاء، ويلوذ إليه الفقراء، وفي العدل إنصاف للمظلوم، ورزق للمحروم، به يجتمع الشمل، وتتحد الكلمة، وتقوى الأواصر بين الناس، ويستتب الأمن في البلاد، وتحصل الطمأنينة في نفوس العباد، ويشعر الناس بالاستقرار.

- لما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرًا إلى عمر -رضي الله عنه-، لم يزل الموكَّل به يتقفى أثر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حتى عثر عليه في المسجد نائمًا، وما كان يتوقع أبدًا أن ينام أمير المؤمنين بهذه الطريقة دون حرسٍ، بين عامة الشعب دون خوف أو قلق على نفسه مِن القتل، فراعه ذلك! وإن دل على شيء؛ فإنما يدل على حصول الأمن العام، وحب الرعية للراعي، فقال قولته الشهيرة: "حكمت عدلت، أمنت فنمت".

وصاغها حافظ إبراهيم في أبياتٍ، فقال:

وراعَ صاحبَ كِسرى أنْ رأى عُمرًا بين الرعية عطلا وهـوَ راعيها

وعَهدُهُ بِمُلوكِ الفُرسِ أنَّ لها سورًا مِن الجُند والأحراس يحميها

رآهُ مُستَغرِقًا في نَومِهِ فرأى فيه المهابةَ في أسمى معانيها

فوقَ الثرى تَحت ظِلِّ الدَّوحِ مُشتملًا بِبُردَةٍ كادَ طُولُ العهدِ يبليها

فهان في عينيهِ ما كان يُكبِرُهُ مِنَ الأكاسرِ والدُّنيا بأيديها

وقال قولةَ حَقٍّ أصبحت مَثلًا وأصبحَ الجيلُ بعدَ الجيلِ يرويها

أَمِنتَ لمّا أقمتَ العَدلَ بَينَهُمُ فَنِمتَ نَومَ قَريرِ العينِ هانيها

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الصفحة السابقة