ملخص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" (3) تقييد الطلاق مُخَالِف للشَّرْع، وهو كالمُسْتَجِير من الرَّمْضَاء بالنَّار
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد:
هذا هو الجزء الثالث من تلخيص كتاب: "تنظيم الأسرة وتنظيم النسل" للعلامة الأزهري "محمد أبو زهرة" -رحمه الله تعالى-، وقد اخترتُ له عنوان: "تقييد الطلاق مخالف للشرع، وهو كالمستجير من الرمضاء بالنار"
وهذا لكي أضع للقارئ أهمَّ فائدة وردتْ في كلام العلامة "أبو زهرة" في مناقشته الماتعة لمقترحات تقييد الطلاق التي تتردد بين وقتٍ وآخر؛ استنادًا إلى ضررٍ ظاهرٍ يشتكي منه الناس من حالات الطلاق.
والغرض من هذا العنوان بيان أن الردَّ يتلخص في هاتين النقطتين:
الأولى: أننا بحكم إسلامنا يجب أن نسلِّم لأمر الله -سبحانه وتعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (الأحزاب:36) .
وبحكم إسلامنا فنحن نوقن أن شرع الله هو الذي يحقق مصلحة العباد، وإن خفيت علينا الحكمة في بعض الأمور، كما قال -تعالى-: ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة:50) .
وبالتالي: فيكفي للمسلم أن يعلم أن تلك الاقتراحات التي ظاهرها المصلحة أو التي يريدون منها المصلحة -في ظنهم- مخالِفة للحكم الشرعي الثابِت لكي يرفضها ويسلِّم لأمر الله -تعالى-.
الثانية: أنه ومع ما ذكرناه في النقطة الأولى؛ فإننا نجد أن تعديلاتهم وإن بدت أن فيها فرارًا من بعض الآثار الضارة للطلاق، فهي في الواقع نوع من الفرار من الضرر الأقل إلى الضرر الأكبر، أو هو كما يقولون: نوع من الاستجارة من الرمضاء بالنار.
وقد أجاد الشيخ في عرض النقد الشرعي والعقلي المصلحي لهذه الاقتراحات المعاصرة، وبيَّن الحكم الشرعي ووضَّح كيف أنه هو الذي يحقق مصالح البلاد والعباد.
وإليك كلامه -رحمه الله- حيث يقول ما ملخصه:
"الطلاق
شُرِع الزواجُ على أنه عقد دائم؛ لأنه لا تتحقق مقاصده من إنجاب النسل، ورعايته، وإقامة دعائم الأسرة إلا إذا كان دائمًا، وقد اتفق الفقهاء على أن عقدَ الزواج يبطله التأقيت بمدة، وبعض الفقهاء الذين أباحوا عقود مؤقتة لا يسمونها زواجًا، ولا يعتبرون العلاقة فيها علاقة زوجية، ولذلك لا يكون فيها توارث، ولكنهم يخرجونها من حيِّز العلاقة الآثمة بين الرجل والمرأة (1) ، ولكن شرط دوام الزواج أن تكون المودة والرحمة بين الزوجين قائمة مستمرة باستمراره، ليؤدي مقاصده وأغراضه، وليكون رحمة للعباد، وآية مِن آيات الله -تعالى- في النفوس، كما قال -سبحانه-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) (الروم:21) ، وتتكون الخلطة النفسية الكاملة والعشرة السليمة كما قال -تعالى- في شأن العلاقة الزوجية: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) (البقرة:187) .
وقد تنقطع أواصر المودة والرحمة، والله وحده هو مقلِّب القلوب، فتنقلب المودة إلى قطيعة، والمحبة إلى بغضاء، ويصبح رأب الصدع عسيرًا، وإن القلوب إذا تَنَافَر وُدُّها لا تُشْعَب إلا نادرًا.
ولعل المرأة أقْدَر على علاج نشوز الرجل بما وهبها الله -تعالى- من عواطف فياضة بالمحبة، وتستطيع أن تجتذبه عن نفوره، وقدرته على علاج نشوزها دون قدرتها إذا كانت مملوءة بعاطفة الأنوثة؛ ولذلك قال -تعالى-: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا . وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا . وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ) (النساء:128-130) .
وإذا كان النشوز من جانب المرأة عالجها الرجل بالعقل، وبطرق الوعظ ثم بالهجر في المضاجع ثم بالضرب غير الشائن وغير المبرِّح، كما جاء في القرآن الكريم، وإذا كان النشوز من الجانبين كان لا بد من تحكيم الحكمين، وهذا مما دلَّ عليه قوله -تعالى-: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) (النساء:35) (2) .
وقد يتعذَّر العلاج النفسي في أمر الإصلاح بين الزوجين، وتستحكم النفرة، فيكون الافتراق لابد منه، كما قال -تعالى- فيما تلونا: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ).
وإذا كان التفريق أمر لابد منه، فاذا تراضى الزوجان على الافتراق؛ فإنه يكون الافتراق منطقيًّا؛ لأنهما أنشأ العقد بتراضيهما، ولهما أن يحلاه بتراضيهما أيضًا، بيد أنه يحسن الاستيثاق مِن أن النفرة مستحكمة بحيث لا يمكن علاجها، إذ عسى أن يكون ذلك تحت نوبة غضب جامحة، فيكون من المصلحة تهدئة النفوس أولًا، ثم التفكير من بعد ذلك في الافتراق في هدأة واطمئنان، على أن ذلك ليس بلازم، ما داما عاقلين مسئولين عما يفعلان، وكل يتحمل تبعة عمله وتفكيره، وإذا كان النشوز المطلق من جانب الزوجة ولم يكن ثمة علاج فإن التفريق حينئذٍ يكون خلعًا وبيد القاضي، وقد شُرِع الخلع بأمر القاضي إذا طلبته المرأة، وذلك عند المالكية، ولو كان لمجرد النفرة النفسية، ولكنه اشترط التحكيم قبل التفريق، وإذا كان بسبب ضرر يجري عليه الإثبات، فإن ذلك هو مذهب أحمد ومالك -رضي الله عنهما-، وكان الأمر إلى القضاء؛ لأن الرجل تكلَّف في سبيل الزواج تكليفات مالية، ومِن حقه أن يستردها أو بعضها، ليستعين بما يسترد على زواج آخر، والفاصل في الأمر هو القضاء.