شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مفتاح النصر والتمكين

محمود عبد الحميد • التزكية

السبب السابع: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها والضرر الناشئ منها من سواد الوجه وظلمة القلب وضيقه وغمه وحزنه وألمه وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه وتمزق شمله وضعفه عن مقاومة عدوه وتعريه من زينته والحيرة في أمره وتخلي وليه وناصره عنه وتولي عدوه المبين له، وتواري العلم الذي كان مستعدا له، ونسيان ما كان حاصلاً له أو ضعفه ولابد، ومرضه الذي استحكم به فهو الموت ولابد .

فإن الذنوب تميت القلوب، ومنها ذله بعد عزه، ومنها أنه يصير أسيراً في يد عدوه بعد أن كان ملكاً متصرفاً يخافه أعداؤه، ومنها أنه يضعف تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج، فلا رعيته تطيعه إذا أمرها ولا ينفذ في غيرهم، ومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة؛ فأخوف الناس أشدهم إساءة، ومنها زوال الأنس واستبداله وحشه، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة.

ومنها زوال الرضا واستبداله بالسخط، ومنها زوال الطمأنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبداله بالطرد والبعد منه، ومنها وقوعه في بئر الحسرات فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرتها إن لم يقض منها وطراً أو إلى غيرها إن قضى وطره منها.

ومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنياً بما معه من رأس مال الإيمان، وهو يتََجِر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأس ماله أصبح فقيراً معدماً, فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير، وإلا فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأس ماله. ومنها نقصان رزقه فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة، فتبدل بها مهانة وحقارة، ومنها حصول البغض والنفرة منه في قلوب الناس.

ومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض منه ولا يعود إليه أبدا، ومنها طمع عدوه فيه وظفره به فإنه إذا رآه منقادا مستجيباً لما يأمره اشتد طمعه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير وليه دون مولاه الحق، ومنها الطبع والرين على القلب فإن العبد إذا أذنب نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه وإن أذنب ذنبا آخر نكتت فيه نكتة أخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه فذلك هو الران، قال -تعالى-: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون) (المطففين: 14).

ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة، ومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهباً للصوص وقطاع الطريق، فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة إلى خَرِبَةٍ موحشة، هي مأوى اللصوص وقطاع الطريق، ومنها: أنه بالمعصية قد تعرض لمحق بركته.

وبالجملة فأثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد.

السبب الثامن: قصر الأمل وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية، وهو مزمع على الخروج منها أو كراكب قال نام القيلولة في ظل شجرة، ثم سار وتركها، فهو لعلمه بقلة مقامه وبسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما أنفس ما معه، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل ولا أضر من التسويف وطول الأمل.

السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما ينشأ من هذه الفضلات فإنها تطلب لها مصرفاً فيضيق عليها المباح فتعداه إلى الحرام ومن أعظم الأشياء ضرراً على العبد بطالته وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة بل إن لم يشغلها بما ينفعه شغلته بما يضره ولابد.

السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها، ثبات شجرة الإيمان في القلب، فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتم وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط.

الصفحة السابقة