شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (15)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الرابعة: قوله: "فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ فَقالَتْ: يا إبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنَا بهذا الوَادِي الَّذي ليسَ فيه إنْسٌ ولَا شَيءٌ؟ فَقالَتْ له ذلكَ مِرَارًا، وجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا، فَقالَتْ له: آللَّهُ الَّذي أَمَرَكَ بهذا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إبْرَاهِيمُ حتَّى إذَا كانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا... " الحديث.

نتأمل فيه تحمُّل إبراهيم للسؤال بطريقة استنكارية لا تتناسب مع ما علمته هاجر من رحمته ورأفته وحلمه -عليه الصلاة والسلام-، فإذا كان إبراهيم حليمًا على الكفار المشركين المكذبين للرسل، يجادل فيهم ربه لتأخير العذاب عنهم مع أفعالهم الشنيعه القبيحة الإجرامية التي لم يسبقهم بها أحدٌ مِن البشر، مع استحقاقهم للعذاب لتكذيبهم نبيهم، ومحاولتهم العدوان على ضيوفه، كما تعودوا على قطع الطريق بفعل الفاحشة -أعني: قوم لوط- قال الله -تعالى-: ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ . إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ) (هود:74-75) ، فمدحه الله -عز وجل- على حلمه وإنابته ودعائه، ولم يتسجب لمجادلته في قوم لوط، فإذا كان هذا حاله وحلمه على الكفار المشركين، فكيف تكون رحمته ورأفته بابنه الرضيع، وأم ولده الذين لا ذنب لهم؟!

وإذا كان يدعو للكافرين والعصاة، كما قال الله -تعالى- عنه: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (إبراهيم:35-36) ، وإنما يدعو لهم بالمغفرة والرحمة؛ لأن يتوبوا ويؤمنوا ويطيعوا، فإن المشرك لا يغفر الله له إلا بالتوبة والإسلام، فكيف تكون رحمته بالمؤمنين الطائعين؟!

يكاد القلب يطير عجبًا من امتثال إبراهيم لأمر ربه، وصبره العجيب على مفارقة ولده الوحيد الصغير الرضيع في هذا المكان الذي لا تمكن فيه الحياة، إلا بأمر الله -سبحانه-، لكنها التضحية وجلالة الخُلَّة فعظيم المحبة لله هي التي أوجبت هذه التضحية العظيمة، فهذا الموقف قريب من موقف ذبح ولده، وإن كان الذبح أعظم، فسبحان مَن اجتباه وهداه وجعله إمام الحنفاء.

وفي عدم إجابته -عليه السلام- لهاجر ثلاث مرات أو عدة مرات؛ حين سألت السؤال بالطريقة المخالفة لما ينبغي من الأدب معه -عليه السلام- فلم يعنفها، ولم يضربها أو يسيء إليها بكلمة؛ بل يربيها ويعلمها بالسكوت وعدم الالتفات، كما يعلمها بالكلام وبالإجابة والالتفات حين سألت السؤال بالطريقة المناسبة الصحيحة المستفسرة غير الاستنكارية حين سألته: "آلله أمرك بهذا؟"، التفت إليها، وقال: "نعم"، فعندها رضيت هاجر بالله، وتوكلت على الله كما توكل إبراهيم -عليه السلام-، ورضيت ربًّا مدبرًا لا يضيع أولياءه ومَن أطاعه، فرضي الله عنها وأجزل مثوبتها على صبرها، وتوكلها ويقينها، وحسن ظنها بربها، ورزقنا متابعة الصالحين في أعمالهم وأحوالهم.

وللفوائد بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة