الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (16)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وقوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ): فيه دليل على خَلْق الله لأفعال العباد، وإرادتهم وأهوائهم، فالله الذي جعل الأفئدة تهوي إلى الحج إلى مكة، وإلى السكنى فيها على القولين في التفسير، وفي هذا لمَن تأمله أوضح الرد على مَن زعم أن معنى خلق الله لأفعال العباد وإرادتهم هو جعلهم مريدين شائين، ولا يلزم إرادة ومشيئة منه -سبحانه- لكلِّ فِعْلٍ مِن أفعال العباد وإرادة من إراداتهم! بل هذا التفصيل لهم كالنهر الذي يجري في مجرى مُعَيَّن لا يلزم إرادة لكل قطرة! وهو قول باطل مُخَالِف لظَاهِر الكتاب والسُّنة، قال -تعالى-: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ) (الإنسان:30) ، أَيْ: أَيُّ مشيئة؛ فهذا اللفظ عام يشمل كل مشيئة، فلابد لأي مشيئة للعباد أن يشاء الله وجودها، وهو الذي يخلقها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ) (رواه النسائي والحاكم، وحسنه الألباني) .
فكل حركة وسكنة وإرادة وهوى للعباد، فالله خالقه وجاعله تفصيلًا، وهذه الآية صريحة في ذلك؛ لأن حُبَّ مَن شاء الله له الذهاب إلى مكة، وهواهم أن يسكنوا فيها، ويحجوا إليها -رغم المشقة البالغة في السفر وفي الحياة- هو مشيئة تفصيلية، والله هو الذي جعله فيهم، كما دعا به إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وليس معنى ذلك الجبر كما يقوله الجبرية؛ بل الله يجعل ويخلق، والعباد يفعلون ويكسبون بإرادتهم المخلوقة، وهذا القَدْرُ مِن كسبهم وفعلهم هو الذي يُحَاسَبون عليه كسائر الأهواء والرغبات، التي إنما توجد في الإنسان قبل أن يدرك منافعها ومقاصدها، ولكنه يجدها في نفسه فيفعلها، فأول ذلك النَّفَس عند أول ولادته، ثم الطعام والشراب وهو رضيع، ثم حب التَّمَلُّك وهو ابن نحو السنة والسنتين، وكذا التواصل مع البشر حوله، والكلام والحركة، واستكشاف ما حوله، ثم الرغبة الجنسية بعد ذلك، وكلها يجدها الإنسان قد وُجِدت في نفسه، لكنه الذي يفعل تفاصيلها، والله خالقه وخالق هواه وإرادته وأفعاله الاختيارية والاضطرارية معًا؛ فله الحمد، وله المُلك -سبحانه وتعالى-.
ونقول في المَثَل المضروب -مَثَلُ النَّهْر-: بل كل قطرة، الله خالقها وخالق حركتها تفصيلًا؛ فلابد مِن مشيئته -سبحانه- في تحركها في هذا الاتجاه، ثم أعظم رغبة وهوىً يجعله الله في قلب العبد هي الرغبة في العبودية له، ومحبته -سبحانه-، ومحبة أنبيائه ورسله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.
نسأل الله أن يَمُنَّ علينا بحبه وقربه.