بيان من "الدعوة السلفية" تعليقًا على بيان "مفتي إثيوبيا" في ردِّه على "شيخ الأزهر"
صوت السلف • بيانات الدعوة السلفية وحزب النور
وطالما طلب حكم الشريعة في هذا، فنقول: بناءً على أن ما تريده إثيوبيا هو استصلاح أراضٍ جديدةٍ عندها، على حساب مياه تُروى بها أراضٍ مستصلحة بالفعل، وتمثِّل مصدر الدخل لملايين الأسر وإنتاجها يوفِّر الغذاء لملايين الأسر كذلك في مصر والسودان؛ فهذا الفعل لا يجوز؛ للضرر الواقع على مَن سبق إلى استصلاح أرضه -كما سبق بيانه-.
ومما يضاعف من حجم هذا الضرر: أن إثيوبيا لا تستطيع أن تستعمل هذا السد لري الأرض حتى ترفع مستوى الماء لأقصى ارتفاع للسد حاجزًا خلفه 74 مليار متر مكعب من المياه في سنواتٍ تتحمل مصر فيها نقصًا في المياه الواردة لها ثم تبدأ بعدها تقاسم مصر فيما يرد مِن ماء لتستصلح أرضًا جديدة عندها، وهذا ما يؤكِّد حرمة هذا الإضرار البالغ بالغير.
رابعًا: ومع ما بيناه فيجب أن يكون معلومًا:
أن الذي يحكم العلاقة بين الدول: المعاهدات دولية والقانون الدولي، والاتفاقية الرئيسية التي تحكم العلاقة بين مصر والسودان من جهة إثيوبيا هي: اتفاقية 1902، وكانت مصر والسودان دولة واحدة واقعة تحت الاحتلال البريطاني، وكان هناك نزاع على الحدود بين إثيوبيا وبين الإقليم الجنوبي من تلك الدولة (السودان)، وقد عقدت بريطانيا الاتفاقية لصالح نفسها إذ جاملت بلاد الحبشة لزيادة نفوذها فيها، وتنازلت عن إقليم شنقول السوداني لإثيوبيا، وكنوعٍ مِن ذَر الرماد في الأعين اشترطت على إثيوبيا شروطًا تتعلق بحماية النيل كانت في ذلك الوقت تحصيل حاصل؛ فإثيوبيا كانت -وما زالت- تعتمد على مياه الأمطار، وأرض النيل الأزرق صخرية صلبة، ومرتفعة عن مستوى سطح الماء، فكانت استفادة إثيوبيا منها غير واردة.
ومع هذا نَصَّت الاتفاقية في مادتها الثانية على:
"تعهد (الإمبراطور منليك الثاني) قبل حكومة صاحبة الجلالة البريطانية، بعدم تشييد، أو السماح بتشييد أي عمل على النيل الأزرق وبحيرة تانا، أو نهر السوباط، يكون من شأنه منع جريان المياه إلى النيل إلا بالاتفاق مع حكومة جلالة الملكة البريطانية وحكومة مصر بالسودان".
كما نَصَّت في مادتها الرابعة على التزام إثيوبيا برد الأرض التي منحت لها بموجب هذه المعاهدة إذا أخلَّت بشروطها، وفي ضوء هذه الاتفاقية وعندما تم انفصال السودان عن مصر عقدت الدولتان اتفاقية تقاسم المياه بينهما.
إذًا انتفعت إثيوبيا عمليًّا طوال هذه الفترة -وما زالت- بأراضٍ ضُمَّت إليها، والآن بعد أن أصبح في مقدورها بناء سد ورفع الماء إلى مستوى الأرض تريد أن تنسحب من تعهدها مع استمرار انتفاعها بما حصلت عليه من أرض.
خامسًا: وأما مسألة أن القانون الدولي يلزم بالتقسيم المنصف للمياه في الأنهار الدولية:
فيجب أن يُعلمَ: أن القانون الدولي يأخذ بعين الاعتبار أمرين:
1- الاتفاقيات الدولية؛ فهي واجبة التقديم على غيرها، ومن ذلك: اتفاقية 1902م.
2- الأوضاع المستقرة تاريخيًّا.
وهي أيضًا قاعدة من قواعد الفقه الإسلامي عبَّر عنها الفقهاء بقولهم: "القديم يُترك على قدمه"، ويعنون بها: أن الأمور التي استقرت في قسمة المنافع العامة والمشتركة لا يجوز نقضها ما لم يثبت صاحبها النزاع فيها منذ تاريخ حدوثها؛ لأن هذا الاستقرار لا يتم إلا بإذنٍ أو بتبادل منفعة، أو -على الأقل- عدم منازعة، ومِن ثَمَّ لا يحق لأحدٍ أن يطالب بإعادة الاتفاق، وكأننا ننشئ وضعًا جديدًا.
على أن القانون الدولي عندما تكلم على التوزيع العادل: ضمَّ كل مياه حوض النهر مما يجرى فيه أو في المياه الجوفية أو الأمطار، ولو دخل هذا كله ووزع توزيعًا عادلًا فسيكون في صالح زيادة حصة مصر حتى لو أهملنا الوضع التاريخي، واتفاقية 1902م؛ ذلك لأن التوزيع العادل المذكور في القانون الدولي يكون بحصص الأرض المستصلحة بالفعل في كل بلد (لا التي ستستصلح).
ومن هنا يتضح: أن موقف إثيوبيا ضعيف من جهة القانون الدولي، وأنه أشد ضعفًا من جهة الشريعة الإسلامية.
ونسأل الله -عز وجل- أن يحفظ مصر وأزهرها ونيلها، وكلَّ مَن يعمل على رفعتها، وأن يجعلها دائمًا ذخرًا للأمة العربية والإسلامية.
الدعوة السلفية بمصر
الأحد 20 يونيو 2021م
9 ذو القعدة 1442هـ