الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (22)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
قصة بناء الكعبة (20)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الفائدة الخامسة عشرة:
قوله في الحديث: "حتَّى إذَا كانَ بهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ منهمْ، وشَبَّ الغُلَامُ وتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ منهمْ، وأَنْفَسَهُمْ وأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ": فيه ما جعل الله عليه الأنبياء قبل بعثتهم مِن القبول في الناس والمحبة لهم، فإن قوله: "أَنْفَسَهُمْ" معناه: رغبهم فيه؛ فكان نفيسًا عندهم، فقدَّر الله -عز وجل- لإسماعيل قبولًا في هؤلاء العرب؛ وذلك تمهيدًا لقبول دعوته -عليه الصلاة والسلام-، وظهور منزلته فيهم؛ حتى نشأت الأجيال المتتابعة من العرب -أبناء إسماعيل- على الإسلام كما وصف الله -عز وجل-: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا . وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) (مريم:54-55) .
الفائدة السادسة عشرة:
قوله: "فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً منهمْ، ومَاتَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إبْرَاهِيمُ بَعْدَ ما تَزَوَّجَ إسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عنْه، فَقالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عن عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ، فَقالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ في ضِيقٍ وشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إلَيْهِ، قالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عليه السَّلَامَ، وقُولِي له: يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ".
قال ابن حجر -رحمه الله-: "في رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ: "فَقَدِمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَدْ مَاتَتْ هَاجَرُ" قَوْلُهُ: "يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ" أَيْ: يَتَفَقَّدُ حَالَ مَا تَرَكَهُ هُنَاكَ. قَالَ ابن التِّينِ: هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِذَبْحِهِ كَانَ عِنْدَمَا بَلَغَ السَّعْيَ، وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ تَرَكَ إِسْمَاعِيلَ رَضِيعًا، وَعَادَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الْمَأْمُورُ بِذَبْحِهِ لَذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ فِي خِلَالِ ذَلِكَ بَيْنَ زَمَانِ الرَّضَاعِ وَالتَّزْوِيجِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ نَفْيُ هَذَا الْمَجِيءِ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَاءَ وَأُمِرَ بِالذَّبْحِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ.
قُلْتُ -أي: ابن حجر-: وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ مَجِيئِهِ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ فِي خَبَرٍ آخَرَ؛ فَفِي حَدِيثِ أَبِي جَهْمٍ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَزُورُ هَاجَرَ كُلَّ شَهْرٍ عَلَى الْبُرَاقِ؛ يَغْدُو غَدْوَةً فَيَأْتِي مَكَّةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَقِيلُ فِي مَنْزِلِهِ بِالشَّامِ.
وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ -بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ- نَحْوَهُ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَزُورُ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ عَلَى الْبُرَاقِ؛ فَعَلَى هَذَا فَقَوله: "فجَاء إِبْرَاهِيمُ بعد مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ"؛ أَيْ: بَعْدَ مَجِيئِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِرَارًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (انتهى كلام ابن حجر -رحمه الله-) .
قلتُ: والصحيح أن الذبيح إسماعيل، وعلى هذا جمهور العلماء، وإن كانت المسألة اجتهادية؛ إلا أن الأدلة ظاهرة في أن إبراهيم أُمِر بذبح ولده الوحيد، كما ورد ذلك في التوراة: "اذبح ابنك بكرك"، وإسماعيل هو البكر باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، وفي القرآن قال الله -تعالى- في سورة "ص": ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) (ص:107-112) ، فكان التبشير بإسحاق مجازة له على امتثال الأمر بذبح إسماعيل -عليه السلام-، والصحيح: أنه قد وقع الأمر بالذبح قبل هذه الزيارة، وقصة الذبح كانت قبل أن يأتي، وقد تزوَّج إسماعيل وقد ماتت هاجر -عليها السلام-.
قال ابن حجر -رحمه الله-: "قَوْلُهُ: "فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا" أَيْ: يَطْلُبَ لَنَا الرِّزْقَ، وَفِي رِوَايَةِ ابن جُرَيْجٍ: "وَكَانَ عَيْشُ إِسْمَاعِيلَ الصَّيْدَ يَخْرُجُ فَيَتَصَيَّدُ"، وَفِي حَدِيثِ أَبِي جَهْمٍ: "وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يَرْعَى مَاشِيَتَهُ وَيَخْرُجُ مُتَنَكِّبًا قَوْسَهُ فَيَرْمِي الصَّيْدَ"، وَفِي حَدِيث ابن إِسْحَاقَ "وَكَانَتْ مَسَارِحُهُ الَّتِي يَرْعَى فِيهَا السِّدْرَةَ إِلَى السِّرِّ مِنْ نَوَاحِي مَكَّةَ".
وقَوْلُهُ: "ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ" زَادَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ: "وَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟". قَوْلُهُ: "فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ"، فِي حَدِيثِ أَبِي جَهْمٍ: "فَقَالَ لَهَا: هَل مِن مَنْزِلٍ؟ قَالَت: لَا هَا اللَّهِ إِذَنْ، قَالَ: فَكَيْفَ عَيْشُكُمْ؟ قَالَ: فَذَكَرَتْ جَهْدًا، فَقَالَتْ: أَمَّا الطَّعَامُ فَلَا طَعَامَ، وَأَمَّا الشَّاءُ فَلَا تُحْلَبُ إِلَّا الْمَصْرَ -أَيِ: الشَّخْبَ- وَأَمَّا الْمَاءُ فَعَلَى مَا تَرَى مِنَ الْغِلَظِ". وَالشَّخْبُ السَّيَلَانُ" (انتهى كلام ابن حجر -رحمه الله-) .