حقيقة التلازم بين الأشاعرة والمذهب الشافعي (٢)
أحمد حسين أبو مالك • المنهج السلفي
وقد أرَّخ لنا الدارمي (ت: ???) هذه الإشكالية في سياقها الكلامي فقال: "وبلغنا أن بعضَ أصحاب المريسي قال له: كيف تصنع بهذه الأسانيد الجياد التي يحتجون بها علينا في رد مذاهبنا مما لا يمكن التكذيب بها؛ مثل: سفيان عن منصور عن الزهري، والزهري عن سالم، وأيوب بن عوف عن ابن سيرين، وعمرو بن دينار عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-... وما أشبهها؟ فقال المريسي: لا تردوه تفتضحوا، ولكن غالطوهم بالتأويل، فتكونوا قد رددتموها بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردها بعنف، كما فعل هذا المعارض سواء".
وهذا الفهم أيضًا لهذا النوع من التحريف عند الإمام الفقيه محمد بن نصر المروزي حيث قال: "وفرقة منهم كرهوا أن يُنْسَبوا إلى مخالفة الآثار والتكذيب بها فأقروا بها وحرفوها، فتأولوها على غير تأويلها".
فمِن الوَاضِح أن مسلكَ التأويل ووضع اللفظ على ما لا يحتمله اللسان العربي وعدم احتماله للمعني قد قُوبِل بالرفض من علماء المذهب في تلك الفترة.
?- السنة: هي المصدر الثاني للتشريع عند علماء المذهب بلا خِلَاف، ومنهج الإمام ومذهبه قد تجسد في مقولته: "إذا صَحَّ الحديث فهو مذهبي"، وحين جاء سائل الى الشافعي يسأله في مسألة، فقال له الشافعي: "قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كذا. فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: أرأيت في وسطي زنارًا؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقول لي: أتقول بهذا؟ روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أقول به؟!".
ويقرر ابن خزيمة (ت: ???) أنه في إبطال أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- دُرُوس الدِّين، وإبطال الإسلام.
وأما أبو المظفر السمعاني (ت: ???) فقرَّر: أن للسنة حُكْم القرآن المنَّزل في وجوب الاتباع.
فكان علماء الشافعية يُلزِمون مَن خالفهم عقديًّا وفقهيًّا في الأخذ بالآثار النبوية، ويجعلون ذلك حجة عليهم عند الرد، بل وآثار السلف في فهم النصوص.
وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي -في بيان حال المخالفين للأخذ بالآثار النبوية والسلفية، والقول بمضمونها، ومبدأ الخلاف المنهجي معهم-: "وقال بعضهم: إننا لا نقبل هذه الآثار ولا نحتج بها! قلتُ: أجل ولا كتاب الله تقبلون، أرأيتم إن لم تقبلوها أتشكون أنها مروية عن السلف مأثورة عنهم مستفيضة فيهم، يتوارثونها عن أعلام الناس وفقهائهم قرنًا بعد قرنٍ؟! قالوا: نعم. قلنا: حسبنا إقراركم بها عليكم حجة لدعوانا أنها مشهورة مروية تداولتها العلماء والفقهاء، فهاتوا عنهم مثلها حجة لدعواكم التي كَذَّبت الآثار كلها، فلا تقدرون أن تأتوا فيها بخبر ولا أثر".
وللحديث بقية -إن شاء الله-.