الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (23)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
قال ابن حجر -رحمه الله-: "وَلِلْفَاكِهِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ: "فَبَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُمَا" يَعْنِي فِي مُشَارَكَتِهِمَا فِي الْبِنَاءِ؛ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَزَلَ الْجُرْهُمِيُّونَ مَعَ إِسْمَاعِيلَ" (انتهى كلام ابن حجر -رحمه الله-) .
هذا -والله أعلم- لِشرفِ البيت قد خصَّ الله -عز وجل- إبراهيم بالبناء وإسماعيل بالإعانة، ولم يجعل معهما أحدًا؛ تكريمًا وتشريفًا أن لا يكون شاركهما في بناء الكعبة المشرفة غيرهما من الناس، كما ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي وضع الحجر الأسود في موضعه بعد أن تنازعت قريش حين بنت الكعبة قبل النبوة، فأمرهم أن يأتوا بثوب وتأخذ بكل طرف منه قبيلة من قريش، ثم وضع الحجر الأسود عليه، ثم وضعه النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده الشريفة في موضعه؛ تكريمًا له وتوفيقًا من الله -عز وجل-.
قَوْلُهُ: "رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ":
قال ابن حجر -رحمه الله-: "فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ: الْقَوَاعِدُ الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ كَانَتْ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ" (وهذا إسناد صحيح) . زَاد أَبُو جَهْمٍ: "وَأَدْخَلَ الْحِجْرَ فِي الْبَيْتِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ زَرْبًا لِغَنَمِ إِسْمَاعِيلَ، وَإِنَّمَا بَنَاهُ بِحِجَارَةٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ سَقْفًا وَجَعَلَ لَهُ بَابًا، وَحَفَرَ لَهُ بِئْرًا عِنْدَ بَابِهِ خِزَانَةً لِلْبَيْتِ يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْبَيْتِ".
وقَوْلُهُ: "جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ" يَعْنِي: الْمَقَامَ. وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ: "حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ نَقْلِ الْحِجَارَةِ، فَقَامَ عَلَى حَجَرِ الْمَقَامِ" زَادَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ "وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُومُ عَلَى الْمَقَامِ يَبْنِي عَلَيْهِ وَيَرْفَعُهُ لَهُ إِسْمَاعِيلُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الرُّكْنُ وَضَعَهُ يَوْمَئِذٍ مَوْضِعَهُ وَأَخَذَ الْمَقَامَ فَجَعَلَهُ لَاصِقًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ جَاءَ جِبْرِيلُ فَأَرَاهُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، ثُمَّ قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْمَقَامِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَوَقَفَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ تِلْكَ الْمَوَاقِفَ، وَحَجَّهُ إِسْحَاقُ وَسَارَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِالشَّامِ".
وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: "قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْحَجَرِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ، فَأَسْمَعَ مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ وَمَنْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَحُجُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ".
وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: "وَاللَّهِ مَا بَنَيَاهُ بِقِصَّةٍ وَلَا مَدَرٍ، وَلَا كَانَ لَهُمَا مِنَ السَّعَةِ وَالْأَعْوَانِ مَا يَسْقُفَانِهِ" (انتهى كلام ابن حجر من فتح الباري) .
وقد أطلنا الكلام على هذا الحديث؛ لما فيه مِن الفوائد العظيمة الجسيمة التي نحتاج إليها في مناحي الحياة كلها، وفي التوكل على الله والتوحيد والرضا بالله -عز وجل- ربًا مُدبرًا معينًا، والامتثال لله -سبحانه وتعالى-، وفي تربية الزوجة والأولاد، ومعالم البيت المسلم الصالح، وغير ذلك مما أشرنا إليه.
نسأل الله أن يلحقنا بالصالحين، وأن يرزقنا حج بيته الحرام، إنه على كل شيء قدير.