شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (28)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

قصة بناء الكعبة (26)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:130-133) .

تُبين هذه الآيات حقيقة الدِّين الإبراهيمي والملة الإبراهيمية؛ الذي هو نفسه دين ابنيه إسماعيل وإسحاق -عليهما السلام-، ودين ابن ابنه يعقوب -الذي هو إسرائيل عليه السلام-؛ الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل وكل اليهود في العالم، وسموا دولتهم باسمه تلبيسًا على العالم وتزويرًا أنهم أتباعه ونسله، وذلك أنهم ليسوا على ملته وليسوا على دينه؛ إذ إن دينه هو التوحيد والاستسلام لأمر الله وشرعه، كما دلت عليه هذه الآيات، وهذا مُستلزِم للإيمان بكل الرسل -صلى الله عليهم وسلم أجمعين-؛ خاصة خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم-، والإيمان بما أنزل اللهُ إليه من القرآن والحكمة، فمَن كفر به وكذَّب القرآن فقد كفر بدين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ودين جميع الأنبياء وتبرأ منهم، وهم جميعًا منه أبرياء.

وقد مَنَّ الله على أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- بالإيمان بجميع الأنبياء ومحبتهم وتوليهم، فيا أيها المسلمون لا تكفروا بنعمة الله عليكم ومِنَّته العظيمة لديكم، بالاستجابة إلى دعاة مساواة الأديان، فتجعلون المسلمين كالمجرمين، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ . أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (القلم: 34-36) .

أتجعلون مَن كذَّب نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، وكتابكم القرآن العظيم كمَن آمن بهما؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.

كيف وقد جمع اليهود إلى ذلك التكذيب بعيسى -صلى الله عليه وسلم-، وقولهم على مريم البهتان العظيم؟!

قال الله -تعالى-: ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا . وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ) ( النساء:155- 156) .

فكيف تتخذون هؤلاء وأمثالهم أولياءً وأحبابًا وأنصارًا؟!

ألا تحبون ربكم وتوحدونه؟!

ألا تحبون الأنبياء الذين كَفَر اليهود بهم جميعًا؟! فانتبهوا يا أولي الألباب.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات: "يقول -تبارك وتعالى- ردًّا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه مِن الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جرَّد توحيد ربه -تبارك وتعالى- فلم يدعُ معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ مِن كلِ معبودٍ سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه، فقال: ( قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام: 78-79) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) (الزخرف:26-27) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة:114) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (النحل:120-122) ؛ ولهذا وأمثاله قال -تعالى-: ( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) (البقرة:130) ، أي: ظلم نفسه بسفهه، وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق مَن اصْطُفِي في الدنيا للهداية والرشاد، مِن حداثة سنه إلى أن اتخذه اللهُ خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء؛ فمَن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته، واتبع طرق الضلالة والغي؛ فأي سَفَهٍ أعظم من هذا؟! أم أي ظلم أكبر من هذا؟! كما قال -تعالى-: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان:13) .

قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود؛ أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه. ويشهد لصحة هذا القول قولُ الله -تعالى-: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:67-68) .

وقوله -تعالى-: ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا.

الصفحة التالية