شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع آيات (3) قوله -تعالى-: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة: ‏

‏-‏ نزل القرآن للتدبر والعمل: قال -تعالى-: ‏ ‎ )‎ ‏ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ‏ ‎ (‎ ‏ (ص:29) . ‏

‏-‏ ومِن القرآن ما نزل على حادثة أو سبب:‏ ‎ ) ‎ ‏ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ) ‏‏(الإسراء: 106) . ‏

آية اليوم وقصتها: ‏

‏ -‏ قوله -تعالى-: ‏ ‎ )‎ ‏ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ ‏خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (الجمعة:11) . ‏

‏-‏ قال ابن كثير -رحمه الله-: "يُعَاتِب -تبارك وتعالى- على ما كان وقع مِن الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ‏التي قدمت المدينة يومئذٍ، فقال -تعالى-: ‏ ‎ )‎ ‏ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ‏ ‎ (‎ ‏ أي: على المنبر تخطب. عن جابر -‏رضي الله عنه- قال: قدمت عير المدينة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب، فخرج الناس، وبقي اثنا عشر رجلًا، فنزلت: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا )‏ (متفق عليه) . ‏

‏ تنبيه ‎ ‎ مهم:

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ولكن ها هنا شيء ينبغي أن يُعلَم، وهو: أن هذه القصة قد قيل: أنها كانت لما كان رسول ‏الله -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يقدِّم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة". ‏

وقفات وفوائد حول الآية:

‏(1)‏ أثر محنة الفقر بعد الهجرة وفضل الصحابة (1)‏ :

‏- ‏استدعاء مشهد المدينة النبوية، والمعاناة الاقتصادية والاجتماعية الشديدة عند قدوم المهاجرين، اعتذارًا عن ‏انصرافهم ونزول العتاب لهم: قال -تعالى- عنهم مادحًا ومثنيًا: ‏ ‎ )‎ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ‏ (الحشر:8-9) . ‏

‏-‏ لقد وصل بهم الفقر إلى أشده: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رَجُلًا: أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبَعَثَ إلى ‏نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: ما معنَا إلَّا المَاءُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن يَضُمُّ -أوْ يُضِيفُ- هذا؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا، ‏فَانْطَلَقَ به إلى امْرَأَتِهِ، فَقالَ: أكْرِمِي ضَيْفَ رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فَقالَتْ: ما عِنْدَنَا إلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقالَ: هَيِّئِي ‏طَعَامَكِ، وأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذَا أرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ ‏كَأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أنَّهُما يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أصْبَحَ غَدَا إلى رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، ‏فَقالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ -أوْ عَجِبَ- مِن فَعَالِكُما. فأنْزَلَ اللَّهُ: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ‏فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (رواه البخاري) .

‏-‏ لقد تركوا كل شيء من الدنيا لله ولنصرة دينه: (مصعب بن عمير ابن الأغنياء، يترك الثراء والجاه ويموت يوم يموت ‏ليس له كفن إلا بردته غير السابغة - أبو سلمة يهاجر ويترك الأهل والولد - سعد بن معاذ سيد الأنصار يوم بدر يعلن ‏الاستعداد المطلق لكل النتائج... وغيرها من المواقف التي لا تُحْصَى). ‏

‏ (2)‏ فضل يوم الجمعة وأهمية الخطبة: ‏

‏ -‏ هو سيد الأيام: قال عنه النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ( خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) (رواه مسلم) . ‏

‏-‏ يوم العبادة الأعظم: ومنة الله على الأمة الإسلامية، حيث غذاء الأرواح بعد كد الأسبوع في غذاء الأبدان: قال النبي -‏صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: ( أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللهُ بِنَا فَهَدَانَا اللهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ ) (رواه مسلم) ، وقال -تعالى- قبل العتاب: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الجمعة:9-10) . ‏

-‏ شرعت فيه صلاة الجمعة لجميع المكلفين القادرين على تحمل المسئوليات أول كل أسبوع في مكانٍ واحدٍ، ليسمعوا ‏فيه الترغيب والترهيب، بما يحملهم على النهوض بواجباتهم الدينية والدنيوية: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الجمعة:9-10) (2) . ‏

الصفحة التالية