شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (29)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ووصية يعقوب -عليه السلام- لجميع أبنائه اختصرت في هذه الآية على الأمر بالتوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، والوصية بدين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- وإسماعيل وإسحاق، قال الله -عز وجل-: ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:133) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى- مُحتجًّا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل -وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام- بأن يعقوب لما حضرته الوفاة وَصَّى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ما تعبدون مِن بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه.

قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا. نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة مَن جعل الجدَّ أبًا وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق. حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يُختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من السلف والخلف.

وقال مالك والشافعي وأحمد -في المشهور عنه-: إنه يقاسم الإخوة، وحُكي ذلك عن: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة: القاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن، ولتقريرها موضع آخر. ( قلتُ: والراجح: أن الجدَّ أبٌ يحجب الإخوة كما دلت عليه الآية الكريمة، وقول الصديق -رضي الله عنه-).

وقوله: ( إِلَهًا وَاحِدًا ) أي: نُوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره، ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) أي: مطيعون خاضعون، كما قال -تعالى-: ( وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) (آل عمران:83) .

والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوَّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:25) . والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، َأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ).

وقوله -تعالى-: ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) أي: مضت، ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ) أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم، ( وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (البقرة:134) .

وقال أبو العالية، والربيع، وقتادة: ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط؛ ولهذا جاء في الأثر: ( مَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) (رواه مسلم) " (انتهى من تفسير ابن كثير بتصرفٍ يسيرٍ) .

وهذه الآية تدل على لزوم الوصية بالتوحيد، وأنها أعظم وصية يُوصِّي بها المؤمن الموحِّد أولاده مِن بعده؛ لأن بالالتزام بالتوحيد يغفر الله ما دون الشرك، وبعدم الالتزام به يُؤاخَذ الإنسان بكل ما عمل.

نسأل الله أن يتوفانا مؤمنين، وأن يلحقنا بالصالحين.

الصفحة السابقة