شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (31)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ابن زيد: ( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ) قال: الشقاق: الفراقُ والمحاربة. إذا شَاقَّ فقد حارب، وإذا حَارب فقد شاقَّ، وهما واحدٌ في كلام العرب، وقرأ: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ).

قال أبو جعفر: وأصل "الشقاق" عندنا -والله أعلم- مأخوذٌ من قول القائل: شَقَّ عليه هذا الأمر، إذا كرَبه وآذاه. ثم قيل: شاقَّ فلانٌ فلانًا، بمعنى: نال كلُّ واحد منهما مِن صاحبه ما كرَبه وآذاه، وأثقلته مَساءَته. ومنه قول الله -تعالى ذكره-: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ) يعنى: فراق بينهما.

يعني -تعالى ذكره- بقوله: ( فَسَيَكْفِيْكَهُمُ اللهُ ) فسيكفيكَ الله يا محمد، هؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: ( كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ) من اليهود والنصارى؛ إنْ هم تولوْا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله، وبما أُنـزل إليك، وما أُنـزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وسائر الأنبياء غيرهم، وفرَّقوا بين الله ورُسُله -إما بقتل السيف (أي: يكفيكهم بأن تقتلهم)، وإما بجلاء عن جوارك، وغير ذلك من العقوبات؛ فإن الله هو ( السَّمِيع ) لما يقولون لك بألسنتهم، ويبدون لك بأفواههم من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضَّالة، ( العَلِيم ) بما يُبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحَسد والبغضاء، ففعل الله بهم ذلك عاجلًا وأنجزَ وَعْده؛ فكفى نبيّه -صلى الله عليه وسلم- بتسليطه إيَّاه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجلَى بعضًا، وأذلَّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار" (انتهى من تفسير ابن جرير) .

وتضمنت هذه الآية الكريمة تصويب طريقة الصحابة -رضي الله عنهم- في الإيمان، وأن ما خالفها ليس من الهدى وإنما مِن الشقاق؛ ففيها دليل على وجوب اتباع طريقة الصحابة -رضي الله عنهم- في العقيدة والعمل والسلوك دون ما اخترعه الناس بعد ذلك؛ كعلم الكلام الذي اختُرع بعد القرون الثلاثة الخيرية، بل أكثر من ذلك، وما تكلَّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بحرفٍ مِن علم الكلام؛ لا بعرض ولا بجوهر، ولا بتعريفات المتكلمين، ولا تكلَّم الصحابة -رضي الله عنهم- بذلك، ولا التابعون ولا تابعوهم، ولا الأئمة الأربعة، ولا أهل الحديث، ولا أصحاب السنن، ما حدث ذلك إلا بعد اختراع علم الكلام.

وكذا لم يكن من طريقة الصحابة -رضي الله عنهم-: التعصب المذهبي، أو الانتقاء بين الأقوال بالتشهي والاختيار وتتبع الرخص؛ ما كان أحد منهم يفعل ذلك، ولا فيمَن بعدهم مِن الأئمة، وإنما حدث ذلك بعد المائة الثالثة أو أكثر من ذلك.

ولم يكن مِن هدي الصحابة أيضًا: ما ابتدعه المتصوفة من مقامات الفناء والدهش، والهيمان والسكر، والجمع والفرق، وغير ذلك مما جعلوه الغاية المقصودة؛ فضلًا عما وقعوا فيه من القول بوحدة الوجود والحلول، والكفر بدين الله ومساواة الأديان والملل؛ بزعم أن هذا السلوك يقربهم إلى الله -عز وجل-.

ولا وُجد في حياة الصحابة -رضي الله عنهم- ولا التابعين ولا تابعيهم أحدٌ اتخذ قبر بعض الصالحين مسجدًا، وتقرَّب إلى الله بذلك، وذهب يدعوهم من دون الله، أو حتى وقف يدعو الله عند قبورهم؛ فإن ذلك ما وقع منه شيء قط، وقد علم الصحابة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وما فعلوا ما يفعله الناس اليوم حول قبور الصالحين؛ فدل ذلك على أن هذا من الشقاق.

فعلم الكلام في الاعتقاد، والتقليد الأعمى والتعصب المذموم، والانتقاء بين المذاهب بالترخص دون دليل، والتصوف الفلسفي والتصوف الخرافي؛ كل ذلك من الشقاق؛ لأنهم تولوا عما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولم يؤمنوا بمثل ما آمن به الصحابة -رضي الله عنهم-، فارزقنا اللهم صحبتهم، وأن نكون معهم في الدار الآخرة.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة