التربية الجسدية في مرحلة الطفولة (1)
عصام حسنين • أطفالنا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن المسئولية التربوية الملقاة على عاتق الأبوين: التربية الصحية الشاملة للجانب الإيماني والأخلاقي، والنفسي والاجتماعي، والفكري، والجنسي، والجسدي، وقد سبق الكلام عليها -والحمد لله-، إلا الجانب الجسدي، والذي نتناوله -إن شاء الله - في هذه المقالات.
لقد عرَّفت منظمة الصحة العالمية التربية الصحية بأنها: "حالة كون الفرد سليمًا من الناحية البدنية والعقلية، والنفسية والاجتماعية، وليست مجرد خلو جسمه مِن المرض والعاهة".
وقد أصبح هذا التعريف هو المعمول به بين الهيئات الصحية، ومعني ذلك: أن سلامة صحة الفرد تشمل الأنواع التربوية كافة متحدة يكمِّل بعضها بعضًا.
وبالنظر في المقالات السابقة التي تناولت التربية من خلال الكتاب والسنة والواقع نجد استغناءً عن تربية غيرنا إلا ما يدور في فلكها، والحمد لله، وأن تعريف منظمة الصحية العالمية مسبوق بتعريف واعتناء الإسلام به، بل وبالتعريف قصور شديد إذ أهمل التربية الإيمانية التي هي أصل الأصول في التربية، ولأجلها خُلق الإنسان، وأهمل التربية الجنسية التي تحمي المجتمع من خطر حريتها المطلقة التي يدعون إليها مع علمهم بمخاطرها الصحية، وسنرى من خلال هذه المقالات -أيضًا-: كيف سبق الإسلام والمسلمون غيرهم في مجال التربية الصحية الجسدية.
ولماذا قلنا: التربية الجسدية، ولم نقل: التربية البدنية؟
لأن الجسد في اللغة هو: جسم الإنسان، أما البدن فهو: جسد الإنسان دون الرأس والأطراف (قاموس المعاني) ، أي: أعم.
- تبدأ التربية الجسدية في الإسلام منذ الحمل وحتى وضعه، وبعد وضعه تبدأ: الرضاعة الطبيعية: فعلى الوالدات إرضاع أولادهن حولين كاملين؛ إلا أن يرى الوالدان المصلحة في فطامه قبل ذلك، قال الله -تعالى-: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) (البقرة: 233) ، أي: "وعلى الوالدات إرضاع أولادهن مدة سنتين كاملتين لمَن أراد إتمام الرضاعة، فإن أراد الوالدان فطام المولود قبل انتهاء السنتين؛ فلا حرج عليهما إذا تراضيا وتشاورا في ذلك؛ ليصلا إلى ما فيه مصلحة المولود" (التفسير الميسر) .
وهذا خيرٌ عظيم للمولود، ينبغي للوالدين أن يحرصا عليه، ولا يقصِّرا فيه؛ فلا تنتقل الأم إلى الحليب الصناعي دون حاجة، ومما يزيد إيمان الوالدين بما شرعه الله الحكيم الخبير ما توصلت إليه الدراسات المعاصرة من فوائد الرضاعة الطبيعية.
"فحليب الأم غذاء شامل للطفل حيث يحتوي على جميع المركبات الغذائية التي يحتاجها الطفل، بل حتى الأمهات اللواتي يعانين من سوء التغذية يكون الحليب لديهن كاملًا، عادة.
وهي -الرضاعة الطبيعية-: حماية من الأمراض المعدية حيث يستمر التأثير الإيجابي للرضاعة حتى بعد فطام الطفل، فالطفل الذي رضع ستة أشهر على الأقل، أقل عرضة للإصابة بالأمراض المعدية والأمراض المزمنة عند الكِبَر، فهي حماية من مرض السمنة، و تقلل خطر الإصابة بالأمراض السرطانية، وتقلل الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الجهاز الهضمي والتنفسي.
ويكون الطفل أقل عرضة للإصابة بداء السكري من غيره.
وقد أظهرت معظم الدراسات وجود علاقة بين الرضاعة، لمدة 6 أشهر على الأقل، وبين ارتفاع نسبة الذكاء وتقوية الأجهزة البصرية والسمعية في فترة الطفولة والمراهقة، كما أنها تعزز مناعة الطفل" (انتهى ملخصًا من "ويب طب") .
فسبحان الذي أجراه في ثدي الأم غذاءً كاملًا يكفيه عن غيره، وسبحان الرزاق الذي يرزق كل ذي قوت قوته!
- ومِن السُّنة: تحنيكه بالتمر، فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد حنك ابنه إبراهيم لما ولد بتمرة، وكذا عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي طلحة، وكل ذلك ثابت في الصحيح.
"والتحنيك مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي ودلك حنكه به"، قاله ابن حجر، والأفضل أن تقوم به أمه.
وهذا فيه فوائد عظيمة، قال الدكتور محمد علي البار: "إن مستوى السكر "الجلوكوز" في الدم بالنسبة للمولودين حديثًا يكون منخفضًا، وكلما كان وزن المولود أقل، كان مستوى السكر منخفضًا، وبالتالي فإنه في المواليد الخداج -وزنهم أقل من 2. 5 كجم- يكون منخفضًا جدًّا بحيث يكون في كثيرٍ من الأحيان أقل من 20 مليجرام لكل 100 ملليلتر من الدم، وأما المواليد أكثر من 2. 5 كجم، فإن مستوى السكر لديهم يكون عادة فوق 30 مليجرام، ويعتبر هذا المستوى (20 أو 30 مليجرام) هبوطًا شديدًا في مستوى سكر الدم.
ويؤدي ذلك إلى الأعراض الآتية:
1- رفض المولود الرضاعة.
2- ارتخاء العضلات.
3- توقف متكرر في عملية التنفس وحصول ازرقاق الجسم.
4- اختلاجات ونوبات من التشنج.
وقد يؤدي ذلك إلى مضاعفاتٍ خطيرةٍ مزمنةٍ، وهي:
1- تأخر في النمو.
2- تخلف عقلي.
3- الشلل الدماغي.
4- إصابة السمع أو البصر أو كليهما.
5- نوبات صرع متكررة "تشنجات" (انتهى من مجلة إعجاز) .
- ومن التربية الصحية للطفل:
العقيقة، وحَلْق شعره يوم سابعه، واختيار الاسم الحسن له، وختانه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُهُ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وقال: ( كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وللعقيقة فوائد صحية عديدة، قال ابن القيم -رحمه الله-: "قربان يتقرب به عن المولود في أول أوقات خروجه إلى الدنيا. والمولود ينتفع بذلك كما ينتفع بالدعاء له، وتفك رهان المولود، فإنه مرتهن بعقيقته. قال الإمام أحمد: مرتهن عن الشفاعة لوالديه. وقيل: يطلق مِن أسر الشيطان فلا يتسلط عليه، ويمنعه من سعيه في مصالح آخرته التي إليها معاده، وقَلَّ مَن يترك الذبح عنه إلا وهو في تخبيط من الشيطان".
وأي تدبير صحي كهذا يعين على صلاح الطفل، وفك أسر الشيطان عنه، فالحمد لله.
حلق الشعر:
ويحلق شعره يوم سابعه، أما البنت فالراجح أنه لا يحلق شعرها، وهو مذهب الحنابلة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ غُلَامٍ ) وهذا لا يطلق على الأنثى.