شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التربية الجسدية في مرحلة الطفولة (2) الاعتدال في الطعام والشراب

عصام حسنين • أطفالنا

وهكذا عرف هذا الشر بيقين في هذا العصر، بظهور الأمراض الخطيرة المهلكة للإنسان الناتجة بسبب الإفراط في تناول الطعام، وذلك بعد تقدم وسائل الفحص والتشخيص الطبي الدقيق الذي أفضى لمعرفة حقيقة هذا الشر، وبينما كان علماء المسلمين يحذرون الناس من أخطار التخمة وكثرة الأكل عبر خمسة عشر قرنًا؛ استنادًا لحديث نبيهم -صلى الله عليه وسلم- في وقتٍ كان غيرهم يعتقدون أن كثرة الأكل مفيدة غير ضارة، ويتسابقون في ملء البطون بالطعام والشراب؛ ففي إنجلترا يتحدث الطبيب (تشين) (1671 ـ 1743م) عن عقيدة البروتستانت في الإفراط في الطعام والشراب، فيقول:" لست أدري ما عليه الأمر في البلدان الأخرى، ولكن نحن البروتستانت لا نعتبر الإفراط في تناول الطعام مؤذيًا ولا ضارًّا، حتى إن الناس يحتقرون أصدقاءهم الذين لا يملؤون بطونهم عند كل وجبة طعام!

وبعد أن أدرك هذا الطبيب من بين جميع الأطباء المعاصرين له أخطار كثرة الأكل، حمَّل الأطباء المسؤولية في عدم إرشاد الناس لهذه الأخطار فقال: والأطباء لا يدركون أنهم المسؤولون أمام المجتمع وأمام مرضاهم بل أمام الخالق؛ لأنهم يشجِّعون الناس على الإفراط في الطعام والشراب؛ ذلك لأنهم بهذا يعملون على تقصير آجال كثير من مرضاهم" (آلان كوت. الصوم الطبي النظام الغذائي الأمثل) .

ولم ينتبه علماء أوروبا إلى هذه الأخطار إلا في عصر النهضة، فأخذوا يطالبون الناس بالحدِّ من الإفراط في تناول الطعام، وترك الانغماس في الملذات والشراب؛ فهذا أحدهم (لودفيك كارنارو) من البندقية يحذِّر أمته من هذه الأخطار، حيث كان مما قال: "يا إيطاليا البائسة المسكينة! ألا ترين أن الشهوة تقود إلى موت مواطنيك أكثر من أي وباء منتشر أو حرب كاسحة؟!"، "إن هذه المآدب المشينة والتي هي واسعة الانتشار اليوم، لها من النتائج الضارة ما يوازي أعنف المعارك الحربية"، "لذلك يجب علينا ألا نأكل إلا بقدر ما هو ضروري لتسيير أجسامنا بشكل مناسب"، "وإن أية زيادة فيما نتنـاولــه من كميــات الطعام تعطينا سرورًا آنيًّا، ولكن علينا في النهاية أن ندفع نتائج ذلك مرضًا، بل موتًا في بعض الأحيان!".

ولعل اكتشاف أمراض السمنة وأخطارها المهلكة وعلاقة ذلك بالشراهة وكثرة الأكل، يجعلنا نزداد يقينًا بعظم القاعدة الذهبية في حفظ الصحة البشرية المتمثلة في ترشيد الأكل والشرب والتي أرشد إليها قول الله -تعالى-: ( وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلا تُسْرِفُوا )".

الإعجاز العلمي في حديث الثلث:

ومما نأسف له أن كثيرًا مِن المسلمين قد أضاعوا هذا الهدي الكريم؛ فظهرت عليهم التخمة، وعبوا من ملاذ الدنيا؛ مما أثر سلبًا على صحتهم ونشاطهم، بل وأولادهم أيضًا، فعودة عودة إلى خير الهدي؛ هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ حتى نسعد في الدنيا، ونفوز ونفلح في الآخرة.

فيستعمل الأبوان الكريمان هذا الهدي الكريم في طعامهما وشرابهما حتى يكون راسخًا عندهما، يأخذه عنهما أطفالهم؛ لأنهما موضع نظرهم، والحسن عندهم ما حسناه، والقبيح ما قبحاه، والحذر مِن أسباب البدانة التي هي أصل الداء، مع تعويدهم آداب الطعام والشراب التي سبق الكلام عنها في مقال التربية الأخلاقية والاجتماعية.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة