وقفات مع آيات (7) (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- وفى نفس المعنى الذي نزلت فيه الآية: "أنَّ مَعقِلَ بنَ يَسارٍ كانت أختُه تحتَ رَجُلٍ فطَلَّقَها، ثمَّ خَلَّى عنها حتى انقَضَت عِدَّتُها، ثمَّ خَطَبَها، فحَمِيَ مَعقِلٌ مِن ذلك أنَفًا، فقال: خلَّى عنها وهو يَقدِرُ عليها، ثمَّ يَخطُبُها! فحال بينه وبينها، فأنزل الله: ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:232) ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَرَأَ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الْحَمِيَّةَ وَاسْتَقَادَ لِأَمْرِ اللهِ. (رواه البخاري) .
2- الدِّين كلٌّ لا يتجزأ:
- الإشارة إلى خطأ كثير من المسلمين، الذين يعتقدون أن الإسلام بعض المظاهر والعبادات: كالصلوات الخمس، والصيام، والحج والعمرة، وحسب ... أما إذا جاءتهم الأحكام الأخرى: كالحدود، وأحكام التوحيد والنهى عن الشرك، والنهى عن التشبه بالكفار، وموالاة المشركين، وترك المعاملات الربوية، وتحريم التبرج، والغناء والمجون، أو غيرها من الأحكام؛ ترى كثيرًا منهم يغضبون ويرفضون! قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) (البقرة 208) ، وقال -تعالى-: ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) (البقرة:85 ) .
- صور من عظيم إيمان السلف بوجوب قبول كل ما جاء عن الله ورسوله، وإنكارهم على مَن تردد في ذلك:
1- عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ -رَضْيَ اللهُ عنه- قَالَ: نَهى رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عَنِ الخَذْفِ، وقَالَ: ( إِنَّه لا يَقتلُ الصَّيدَ، ولا يَنْكأُ العدُوَّ، وإنَّه يَفقَأُ العَينَ، ويكسِرُ السِّنَّ ) (متفق عليه) . وفِي روايٍة: أنَّ قَرِيبًا لابنِ مُغفَّلٍ حَذَفَ؛ فنَهاه وقَالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- نَهى عَنِ الخَذْفِ، وقَالَ: ( إِنَّها لا تَصِيدُ صَيدًا ) فَعَادَ، فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْهُ، ثُمَّ تَخْذِفُ، لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا. (رواه مسلم) .
2- وعن ابن عمر أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ )، فقال أحدُ أبنائه وهو بلالُ بن عبدِ الله بن عمر: "وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ"، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ: "أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمْنَعُهُنَّ" (رواه مسلم) .
3- و"كان هارون الرشيد -رحمه الله- معظِّمًا لما يبلغه عن رسول الله، وقَّافًا عند الحديث، وكان يستدعي أبا معاوية الضرير، محمد بن خازن؛ ليسمع منه الحديث، وربما كان يبكي عند سماع الحديث ويقول: صدق سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفى يوم من الأيام حدث عنده أبو معاوية بحديث: "احتج آدم وموسى..."، وفيه: وقال آدم: ... وقال موسى: ... " (رواه البخاري وغيره) ، وعم الخليفة جالس عنده، فقال عمه: يا أبا معاوية، احتج آدم وموسى، أين التقيا؟! فما إن سمع هارون الكلمة حتى غضب وثار، وقال: عليّ بالسيف والنطع، -الجلد الذي تقص عليه الرؤوس-، فقام القوم يهدؤونه، فقال: يقول قال رسول الله، ثم تقول أين التقيا؟! فلا زالوا يهدؤونه، وما رضي هارون حتى حلف عمه بالأيمان المغلظة أنها مجرد خاطرة، وما سمعها من أحدٍ، وهارون يقول: هذه زندقة".
- بل كل مسلم سليم القلب والعقيدة، ولو كان من عامة الناس، يدرك أن الدين كامل مكتمل: قال ابن القيم -رحمه الله-: "سئل أعرابيّ: بمَ عرفت أن محمدًا رسول الله؟ فقال: ما أمر بشيءٍ فقال العقل: ليته ينهى عنه، ولا نهى عن شيء، فقال العقل: ليته أمر به!" (مفتاح دار السعادة) .
خاتمة:
- تذكير بالآية وقصة النزول، والإشارة إلى عظيم انقياد الصحابة -رضي الله عنهم-.
نسأل الله أن يجعلنا مِن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهكذا قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل: أنها نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمولاه زيد بن حارثة".