شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع آيات (8) (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -تعالى-: ( ‌لَيْسَ ‌لَكَ ‌مِنَ ‌الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (آل عمران: 128-129) .

سبب نزول الآية:

- قال الإمام أحمد: عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كُسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: ( ‌كَيْفَ ‌يُفْلِحُ ‌قَوْمٌ ‌فَعَلُوا ‌هَذَا ‌بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ )، فأنزل الله -تعالى-: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (راواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

- وقال البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ).

التفسير العام للآية:

- ليس لك -أيها الرسول- من أمر العباد شيء، بل الأمر كله لله -تعالى- وحده لا شريك له، ولعل بعض هؤلاء الذين قاتلوك تنشرح صدورهم للإسلام فيسلموا، فيتوب الله عليهم، ومَن بقيَ على كفره يعذبه الله في الدنيا والآخرة بسبب ظلمه وبغيه، ولله وحده ما في السماوات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء من عباده برحمته، ويعذب من يشاء بعدله، والله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم (المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات القرآنية) .

وقفات حول الآية:

(1) الأمر كله لله وحده:

- العقيدة الإسلامية ترسِّخ أن الأمر كله لله وحده، وأن الرُّسُل مع عظيم قدرهم ومكانتهم لا يملكون قلوب العباد، وإنما عليهم أداء الرسالة بالهداية والإرشاد، وأما النتائج فليست لهم: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ )، وقال: ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ) (الرعد:40) ، وقال: ( لَيْسَ ‌عَلَيْكَ ‌هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (البقرة:242) ، وقال: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) (القصص:56) .

- الأنبياء -عليهم السلام- يعلِّمون البشرية التوجُّه الى الله أولًا وآخرًا: قال -تعالى- عن نبيه إبراهيم -عليه السلام-: ( قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (الشعراء:75-82) .

- إذا كان الأنبياء لا يملكون شيئًا في حكم الله وتقديره؛ فكيف بمَن دونهم مِن الأولياء والأموات في الأضرحة ونحوهم؟! (1) : قال -تعالى-: ( ‌وَمَنْ ‌أَضَلُّ ‌مِمَّنْ ‌يَدْعُو ‌مِنْ ‌دُونِ ‌اللَّهِ ‌مَنْ ‌لَا ‌يَسْتَجِيبُ ‌لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ . وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) (الأحقاف:5-6) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ ‌زَعَمْتُمْ ‌مِنْ ‌دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ) (سبأ:22) .

(2) سعة رحمة رب العالمين:

- الأصل أن كلَّ مَن حارب دين الله وعاند الحق؛ فهو ظالم مستحق للعذاب والعقوبة: قال -تعالى-: ( أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ).

قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ): "أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم؛ ولهذا قال: ( فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ )، أي: يستحقون ذلك" (انتهى) .

- لكن واسع الرحمة -سبحانه- يمهلهم، بل ويقدِّر لهم مِن الأقدار ما يعينهم على التوبة: قال -تعالى-: ( ‌قَالُوا ‌يَا مُوسَى ‌إِمَّا ‌أَنْ ‌تُلْقِيَ ‌وَإِمَّا ‌أَنْ ‌نَكُونَ ‌نَحْنُ ‌الْمُلْقِينَ . قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ . وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ . قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) (الأعراف:115-122) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كانوا أول النهار سحرة، فصاروا من آخره شهداء بررة" (تفسير ابن كثير) .

- وقد تاب عامة مَن دعا عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم-! فسبحان الذي بيده القلوب والهداية (2) ، وفي قصة إسلام كل منهم وسيرته في الإسلام، ما يستوقف القلوب والعقول كثيرًا، مع هذه الآية الكريمة: ( ‌لَيْسَ ‌لَكَ ‌مِنَ ‌الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

- موقف لخالد بن الوليد -رضي الله عنه- في الإسلام (3) :

الصفحة التالية