وقفات مع آيات (8) (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- فمِن المعلوم أن الله قدَّر بقاء الكفار لحكمة منه -سبحانه وتعالى-، وعليهم تقوم الساعة كما ثبت في أحاديث صحيحة، ولأجل ذلك فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الدعاء بهلاك كل من فوق الأرض من الكافرين، هو دعاء بما قدَّر الله -تعالى- عدم وقوعه، والدعاء بما قدر الله عدم حصوله يعتبر اعتداءً في الدعاء، والمسلم منهي عن الاعتداء في الدعاء (انظر: فتاوى اللجنة الدائمة) .
- وأما دعاء نوح -عليه السلام- على قومه: ( رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) (نوح:26) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك، كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن مِن قومك إلا مَن قد آمن، ومع هذا فقد ثبت في حديث الشفاعة في الصحيح أنه يقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أُومر بها، فإنه وإن لم يُنهَ عنها، فلم يؤمر بها، فكان الأولى ألا يدعو إلا بدعاء مأمور به، واجب أو مستحب، فإن الدعاء من العبادات فلا يعبد الله إلا بمأمور به، واجب أو مستحب، وهذا لو كان مأمورًا به لكان شرعًا لنوح، ثم ننظر في شرعنا: هل نسخه أم لا؟" (مجموع الفتاوى) .
- ولم يكن من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء على الكفار كافة، بل كان يخص المعتدين منهم، ومَن اشتد أذاه على المؤمنين، كما في الأحاديث التي مرّ ذكرها، أمّا مَن كان يرجو إسلامه فكان مِن هديه -صلى الله عليه وسلم- الدعاء له: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا؟ فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ! قَالَ: ( اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَائْتِ بِهِمْ ) (رواه البخاري) ، وقد أدخل البخاري في صحيحه هذا الحديث في باب: "الدعاء للمشركين ليتألفهم". والله أعلم.
خاتمة:
- الآية اشتملت على معانٍ كريمة مِن أعظمها: بيان عقيدة التوحيد العظيمة، ومن أبرزها هنا: جانب الربوبية العظيم؛ حيث الخلق والأمر، والغيب، والتقدير لله رب العالمين وحده، ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ).
- بيان عظيم رحمة رب العالمين، حتى إنه يمهل الكافر والعاصي لعله يتوب: ( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ) وختمها بقوله: ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).
نسأل الله أن يتوب علينا، ويسترنا في الدنيا والآخرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يزعم بعض أهل البدع زعم المشركين قديمًا، مِن أن الأولياء أو الأئمة -عندهم- يملكون الضر والنفع، والخصائص الربانية!
(2) من أبرز هؤلاء: (خالد بن الوليد - عمرو بن العاص - أبو سفيان بن حرب - هند بنت عتبة - سهيل بن عمرو - صفوان بن أمية)، فيحسن ذكر موقف لكلٍّ منهم بعد إسلامه في حبِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وفدائه والذب عنه.
(3) إشارة إلى موقف خالد يوم أُحد، وكيف أنه كان السبب الأعظم في تغيير نتيجة المعركة لصالح المشركين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يجوز لعن المعين الكافر، والأولى تركه، وقد ثبت لعن الكافر المعين كما في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اللَّهُمَّ العَنْ أَبَا سُفْيَانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ )، فَنَزَلَتْ: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُمْ. (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقد تاب الله عليهم ولم يموتوا على الكفر، وليس الحديث منسوخًا، بل نزل قوله -تعالى-: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ )؛ لبيان أن هذا خلاف الأولى، ولكن ليس بمحرم أن يلعن الكافر بعينه. (د. ياسر برهامي).