كيف نتأدب مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-(1-3)
عصام حسنين • التزكية
قال الله -تعالى-: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:15-16)
قال ابن جرير -رحمه الله-: "قد جاءكم يا أهل التوراة والإنجيل من الله نور، يعني بالنور: محمد -صلى الله عليه وسلم-، والذي أنار الله به الحق، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به، يبين الحق..." أ.هـ من تفسيره 4/2792.
وقال الله -تعالى-: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (البقرة:101)
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده،لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم.
وفي حديث بعـْث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذاً -رضي الله عنه- إلى اليمن قال له -صلى الله عليه وسلم-: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة...) رواه مسلم.
واعلم أن إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى -عليه السلام- وشريعته كان مؤمناً مقبولاً، حتى جاء عيسى، فكان الواجب اتباعه، وكان من أبى اتباعه مخذولاً مردوداً، حتى جاء النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فوجب اتباعه، وكان من لم يتبعه كافراً على الحقيقة بموسى وعيسى -عليهما السلام-.
ولا ينافي هذا ما ورد عن ابن عباس : قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة:62) فأنزل الله بعد ذلك: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85).
فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملاً إلا ما كان موافقاً لشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- بعد أن بعثه به، فأما قبل ذلك، فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل نجاة.
فاليهود أتباع موسى -عليه السلام- كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم، فلما بعث عيسى -عليه السلام- وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، فلما بعث الله محمداً -صلى الله عليه وسلم- خاتماً للنبيين ورسولاً إلى بني آدم على الإطلاق وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً، وسميت أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- مؤمنين لكثرة إيمانهم، وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية" أ. هـ من كلام بابن كثير في تفسيره 1/103. وهو تحقيق نفيس جداً، فجزاه الله خيراً، ورحمه رحمة واسعة.
ويجب أن تَضُمَّ إلى ذلك أيضاً أن شريعته -صلى الله عليه وسلم- خاتمة الشرائع السابقة، وأنها ناسخة لها، قال الله -تعالى- : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) (المائدة:48).
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: (لما ذكر -تعالى- التوراة التي أنزلها على موسى كليمه ومدحها، وأثنى عليها، وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإنجيل ومدحه، وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه كما تقدم بيانه، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال -تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله -تعالى- .
(مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ) أي: الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- فكان نزوله كما أخبرت به.
(وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) أي: أمين على الكتب السابقة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فو باطل. قال ابن عباس، وعنه: شهيداً، وعنه: حاكماً.
ولا منافاة؛ فهو أعظم هذه الكتب وأشملها وخاتمها حيث جمع الله فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها، وتكفل الله -تعالى- حفظه بنفسه الكريمة حيث قال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9) أ.هـ التفسير 2/67.
أخي الكريم:
نجاتنا في الآخرة، وسعادتنا في هذه الدنيا في هذه العقيدة، فهي الحصن الحصين لنا، فعُض عليها النواجذ، وأَنِرْ بها قلبك، وادع بها، وسل الله الثبات عليها إلى الممات.
والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
