شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الشك ... الجناية الكبرى للفِرَق الكلامية على يقين الأمة المحمدية (2)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد :

تناولنا في الجزء الأول لهذه المقالة: الحجج التي دَفَعَتِ المتكلمين إلى دعوة المستيقِنين إلى الشكِّ، بذرائع مختلفة، وبكيفيات ومسميات، حاول فيها أصحابها التجمُّل: كالتفريق بين الشكِّ الحقيقي والشك المنهجي، وكزعم أنهم يوجبون النظر، مع أنهم حينما يصفون ذلك النظر يجعلون من شروطه: الشك الحقيقي، أو الحياد (الذي يسمونه أحيانًا: بالشك المنهجي).

وقلنا: إننا سنبيِّن أن هذا مخالف لطريقة الكتاب والسُّنة التي تعزز اليقين لدى مَن حَقق هذا اليقين بأي جزءٍ من الحق، وتكرره وتقرره، وتجعل منه دليلًا على ما هو شاك فيه أو مكذب له.

وكما ذكرنا في مقدمة الجزء الأول، سنبيِّن في هذا الجزء المسلك القرآني في أمرين:

الأول: المنهج القرآني في مجادلة المخالفين.

الثاني: تعزيز اليقين لدى المؤمنين.

ومِن ثَمَّ سيتضح بُعد هؤلاء المتكلمين أيما بُعدٍ عن نور الكتاب والسُّنَّة!

أولًا: ملخص رائع للإمام الشاطبي -رحمه الله- في منهج القرآن في مجادلة المخالفين:

مِن أفضل المَواطِن التي بيَّنت هذا الأمر: كلام الإمام الشاطبي -رحمه الله- على هذا في "الموافقات" حيث قال: "إن الخصمين إما أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَصْلٍ يَرْجِعَانِ إِلَيْهِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْء؛ لَمْ يَقَعْ بِمُنَاظَرَتِهِمَا فَائِدَةٌ بِحَالٍ، وَقَدْ مَرَّ هَذَا. وَإِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ، وَكَانَ الدَّلِيلُ عِنْدَ الْخَصْمِ مُتَنَازَعًا فِيهِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِدَلِيلٍ؛ فَصَارَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَبَثًا لا يفيد فائدة، ولا يحصل مقصودًا.

ومقصود المناظرة: رَدُّ الْخَصْمِ إِلَى الصَّوَابِ بِطَرِيقٍ يَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ بِغَيْرِ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِهِمَا إِلَى دَلِيلٍ يَعْرِفُهُ الْخَصْمُ السَّائِلُ مَعْرِفَةَ الْخَصْمِ الْمُسْتَدِلِّ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ -تعالى-: ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) (النساء:59) ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَا خِلَافَ فِيهِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَهُمَا: الدَّلِيلُ وَالْأَصْلُ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِي مَسَائِلِ التَّنَازُعِ، وَبِهَذَا المَعْنَى وَقَعَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى الْكُفَّارِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ -تعالى- قَالَ: ( قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون ) إِلَى قَوْلِهِ: ( قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) (المؤمنون:84-89) .

فقررهم بما به أقروا، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا عَرَفُوا؛ حَتَّى قِيلَ لَهُمْ: ( فَأَنَّى تُسْحَرُون َ) (الْمُؤْمِنُونَ:89) ، أَيْ: فَكَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنِ الحق بعد ما أَقْرَرْتُمْ بِهِ، فَادَّعَيْتُمْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا غَيْرَهُ؟

وَقَالَ -تعالى-: ( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ) (مريم:42) ، وَهَذَا مِنَ الْمَعْرُوفِ عِنْدَهُمْ؛ إِذْ كَانُوا يَنْحِتُونَ بِأَيْدِيهِمْ مَا يَعْبُدُونَ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ) (الصافات:95) .

وَقَالَ -تعالى-: ( قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ) (البقرة:258) .

قال له ذلك بعد ما ذَكَرَ لَهُ قَوْلَهُ: ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) (البقرة:258) ؛ فَوَجَدَ الْخَصْمَ مَدْفَعًا، فَانْتَقَلَ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْمَدْفَعُ لَا بِالْمَجَازِ وَلَا بالحقيقية، وَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.

وَقَالَ -تعالى-: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ) (آل عمران:59) ؛ فَأَرَاهُمُ الْبُرْهَانَ بما لم يختلفوا فيه، وهو آدَمُ، وَقَالَ -تعالى-: ( يَا أَهْلَ ‌الْكِتَابِ ‌لِمَ ‌تُحَاجُّونَ ‌فِي ‌إِبْرَاهِيمَ ‌وَمَا ‌أُنْزِلَتِ ‌التَّوْرَاةُ ‌وَالْإِنْجِيلُ ‌إِلَّا ‌مِنْ ‌بَعْدِهِ ) (آل عمران:65) ، وَهَذَا قَاطِعٌ في دعواهم أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ.

وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ تَجِدُ احْتِجَاجَاتِ الْقُرْآنِ؛ فَلَا يُؤْتَى فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُقِرُّ الْخَصْمُ بِصِحَّتِهِ شَاءَ أَمْ أبى.

وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ جَاءَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: ( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ) (الأنعام:91) ؛ قَالَ -تعالى-: ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ) (الأنعام:91) ؛ فَحَصَلَ إِفْحَامُهُ بِمَا هُوَ بِهِ عَالِمٌ" (انتهى كلام الشاطبي رحمه الله من الموافقات) .

توضيح حول الاستدلال بكلام الشاطبي -رحمه الله- على نقد بدعة كلامية، وهو منسوب للأشاعرة:

نعلم أن الإمام الشاطبي -رحمه الله- منتسِب إلى المذهب الأشعري، ومع هذا فإذا نقلنا من كلامه ما يبطله؛ فهذا يدل على أمرين:

1- أن الأئمة المنسوبين إلى تلك المذاهب لم يقولوا بكلِّ أقوالها، ولم يتورطوا في كلِّ سقطاتها، بخلاف ما يُرَاد للناس الآن في زماننا مِن بعض متعصبة تلك المذاهب مِن أن يأخذ الناس المذهب الأشعري كاملًا؛ بإرجائه في الإيمان، وجبريته في القدر، وقولهم بالكلام النفسي في القرآن بدلًا من إثبات أن القرآن كلام الله!

الصفحة التالية