صفحات عن سقوط الخلافة (2من2)
ياسر عبد التواب • السيرة والتاريخ
وقد كان مصطفى كمال ينفذ مخططاً مرسوماً له في المعاهدات التي عقدت مع الدول الغربية. فقد فرضت معاهدة لوزان سنة 1923م على تركيا فقبلت شروط الصلح المعروفة بشروط كرزون الأربعة، وهو رئيس الوفد الإنجليزي في مؤتمر لوزان وهى:
- قطع كل صلة لتركيا بالإسلام.
- إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاء تاماً.
- إخراج الخليفة ومصادرة أمواله، وكذلك أنصار الخلافة، وأصحاب الحس الإسلامي من البلاد.
- اتخاذ دستور مدني بدلاً من دستور تركيا القديم.
وقد تحققت للأسف -في تركيا خلال هذا القرن الحزين البنود السابقة، وجرح العالم الإسلامي جرحاً لم يندمل حتى الآن، وبكى الجميع على خلافتهم بكاءً مراً، أما أحمد شوقي فكتب هذه المرة يقول:
وبكت عليــك مـمـالك ونــواح
ضجت عليك مآذن ومنابـــــر
تبكــــــى عليك بدمع سحــــاح
الهند وَالِهَةٌ ومصرُ حزينــــةٌ
أمحا من الأرض الخـلافة مـاح
الشام تسأل والعراق وفارس
قتلت بغير جريــــرة وجنــــاح
يا للرجـــال لحــرة مــوءودة
وهكذا يستفحل أمر الطغاة مع عدم الإنكار عليهم، وتـَرْك البلاد لقمة سائغة في حلوقهم، ولم يكن يسيراً على الأمة الإسلامية أن تتقبل تلك الخيانة -إسقاط الخلافة- ولا بفرض الوصاية:
يقول د. جمال عبد الحي النجار: "وكانت دعوة الصحافة الإسلامية إلى الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت تهدف إلى أن يبقى العالم الإسلامي في عزة ومنعة، وأن يكون المسلمون يداً واحدة وقوة يعتد بها فلا يطمع الطامعون، وقد ساعد على تعلق الرأي المصري والإسلامي بفكرة الجامعة الإسلامية مهاجمة اللورد "كرومر" ممثل الاحتلال للمسلمين، واعتداء الغرب على بعض البلاد الإسلامية الواقعة تحت سيطرة الخلافة العثمانية، وتمرد دول البلقان العنصرية على الدولة العلية".
وكلمة مصطفى كامل -الزعيم الكبير- هو أن التعلق الصادق بالخلافة هو ما يبنى عليه مجد المسلمين فيقول: "وقد رأينا من المصريين تعلقاً حقيقياً بهذه الراية السامية، وإخلاصاً لا ريب فيه لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين" .
وظل رفض المصريين الانفصال منذ إعلان إنجلترا الحماية، على مصر 18/12/1914م، وخلع الخديوي عباس، وتولية حسين كامل عرض مصر مع منحه لقب سلطان، استكمالاً لمظاهر الانفصال، وقام بدوره بفرض الأحكام العرفية، ووضع الصحف تحت الرقابة الإنجليزية، وقد أطلق عليه النار -بالمنصورة- تاجر اسمه محمد خليل، عند مرور مركبه بشارع عابدين.
وعندما خان أتاتورك خيانته، فـَرَّ كثير من أهل العلم والديانة إلى مصر، كالشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، وصارت مساجلات ومداولات بين الدعاة من جهة كالشيخ محمد رشيد رضا، وبين المتفرنجين الذين لا يؤيدون إعادة الخلافة بحجة وجود بعض النصارى في مصر، وكان يستشهد لهم بقول الدكتور (برتكالوس) السوري حيث يقول: "إن حكم الشريعة الإسلامية خير لنا معشر النصارى من حكم الدستور الدولي الذي يسلبنا كثيراً مما أعطتنا الشريعة من الامتيازات؛ فالشريعة ليس فيها ظلم لغير المسلم، وهى تسوي بين أضعف ذمي أو معاهد والخليفة الأعظم في موقف القضاء وتقرير الحقوق..." .
وفى 19/3/1924 اجتمع عدد من علماء الأزهر وطلبته، وألَّفوا لجنة تدعو هيئة كبار العلماء وغيرهم من قادة الرأي؛ للبحث في أمر الخلافة، حيث أسندت رئاسة اللجنة إلى الشيخ يوسف نصر الدجوي، ثم اجتمعت في 25مارس اللجنة الإدارة العامة للمعاهد الدينية بالأزهر مع الهيئة العلمية الدينية برئاسة شيخ الأزهر أبى الفضل الجيزاوي، وعضوية علماء كثيرين منهم الشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ محمد شاكر، والسيد رشيد رضا، ومدنيين كثير، حيث نشرت اللجنة بياناً دعت فيه لعقد مؤتمر إسلامي تحت رياسة شيخ الأزهر، يحضره ممثلون من جميع الأمم الإسلامية، ويختارون من تسند إليه الخلافة، وقد مكن الملك فؤاد للمؤتمر طمعاً منه أن يختار خليفة للمسلمين.
ثم أجتمع المؤتمر بعد عام تقريباً وحضره مندوبون من البلاد الإسلامية، من تونس، ومراكش والمغرب، وطرابلس، وجزر الهند الشرقية، وفلسطين، وبغداد، والحجاز، وتهامة، واليمن، وبولونيا، ولكن الاجتماع لم يسفر عن شيء؛ لكثرة عدد الطامعين في الخلافة، كالملك فؤاد، والشريف حسين، والملك أمان الله خان ملك الأفغان .
ويقول الله -تعالى-: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46).
واستمر الخلاف والاحتلال كذلك...
