شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

اليقين (2)

عبد الرحمن شريف الهواري • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل في هذا المقال بعض الأسئلة حول يقين كل منا في بعض الأمور التي مِن المفترض أن يكون وصل فيها يقينه إلى حق اليقين، مع ما ذكر ما أمكن الثمرة الحقيقية لكل سؤال مِن هذه الأسئلة.

سؤال 4: هل أنت على يقين في كتاب الله -عز وجل-، وفي كل ما ورد فيه مِن أوامرٍ ونواهٍ، ووعد ووعيد، وقصص وأمثلة، وجنة ونار، وفيما ورد فيه من أخبار الغيب، وخصوصًا اليوم الآخر؟!

اعلم أن الإجابة بنعم تستلزم رصيدًا في أرض الواقع، أما مجرد كلام لا رصيد له فلا يُقبَل، وأول الأدلة: تقديم وتعظيم كتاب الله والخضوع لكل ما جاء به.

اليقين في كتاب الله الذي أنزله حجة على خلقه، وفيه عرف بنفسه، وفيه أمر ونهى، ووعد وتوعد، وحذر وهدد، وفيه القصص والسنن والأمثلة، والجنة والنار، فمَن أيقن أنه مِن عند الله قدمه وانقاد له، وعمل بمقتضاه، ولم يقدِّم عليه غيره وقدَّمه على الشهوات والأهواء، والعادات والأعراف والقوانين، مع عظيم الإجلال والتقدير مع عين اليقين في كل ما جاء فيه.

1- في الأوامر والنواهي أنها واجبة التطبيق الفوري، وأنها الأنفع والأحسن والأنفع لك في الدنيا والآخرة، إذًا لماذا تقدِّم غيرها، وهي في مقدورك؛ إذ لا يكلف الله نفسًا إلا ووسعها؟!

2- في وعده لمَن اتبع منهجه بالحفظ والنصرة والتمكين وأن العاقبة لعباده المتقين.

3- في إخباره أنه سيجعل فرجًا ومخرجًا لمَن انقاد وعمل بشرعه مِن كرب وهم وغم وعدو، قال -تعالى-: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (الشرح:5-6) ، ( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) (الطلاق:7) ، ( مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (فاطر:2) .

4- وفي قدرته على تنفيذ ما وعد به من دحر عدوه وإهلاكه، مهما بلغ من قوة وتمكين وتحكُّم؛ فهذه الأمور اليقين فيها يعطي ثباتًا وثقة وطمأنينة لا نظير لها، وهذه أمثلة عليها من القرآن من قصصه تؤكِّد قوة اليقين التي وصل إليها الأنبياء والمرسلين، وكيف أثمرت في أتباعهم مِن بعدهم.

مِن أمثلة القرآن الكريم على مثل هذا:

1- يقين نوح -عليه السلام- لما أُمر بصنع السفينة على اليبس، ولم يكونوا أهل سفن أو بحار، ومِن عظيم يقينه صنعها، وكلما مروا عليه سخروا منه ومما يصنع، وكان يسخر منهم؛ لعدم تصديقهم بموعود الله له: ( ‌وَيَصْنَعُ ‌الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) (هود:38) ، فمكث 950 سنة كان قد زرع شجرة فبلغت مبلغًا عظيمًا فقطعها وعمد إلى صنع السفينة، فسخروا منه وقالوا: ترك النبوة واشتغل بالنجارة، ثم قالوا: سفينة في البر!

2- يقين إبراهيم -عليه السلام- وهم يعدون له تلك النار العظيمة بتلك الطريقة الوحشية، ولم يحرِّك لهم ساكنًا؛ لعظيم يقينه بالله، وأنه يحفظه من كيدهم ومكرهم حتى لما عرض جبريل -عليه السلام- لمساعدته قال: حسبي الله ونعم الوكيل، ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (الأنبياء:69) .

3- موسى -عليه السلام- وكيف كان يقينه كبيرًا في حفظ الله له وفي إنجائه من فرعون، قال -تعالى-: ( قال كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) (الشعراء:62-63) .

4- يقين النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكيف كان يقينه عظيمًا في حفظ الله له ولأصحابه يوم أخذ بالأسباب وهاجر هو والصديق -رضي الله عنه-، والصديق يقول له: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: ( يَا أَبَا بَكْرٍ ‌مَا ‌ظَنُّكَ ‌بِاثْنَيْنِ ‌اللهُ ‌ثَالِثُهُمَا ) (متفق عليه) ، ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) (التوبة:40) .

- يوم منعه عثمان بن طلحة سيد بني شيبة حملة مفاتيح الكعبة المشرفة لقرون من دخول الكعبة، فقال: "يَا عُثْمَانُ، لَعَلّك سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ يَوْمًا بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْت، فَقال عثمان: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلّتْ. فَقَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: بَلْ عَمَرَتْ وَعَزّتْ يَوْمَئِذٍ"، وفتحت مكة وأخذ رسول الله مفاتيح الكعبة وجعلها في بني طلحة (الطبقات الكبرى لابن سعد) .

- ويوم عاد من الطائف ويقول: "يا زيد، إن الله جاعلٌ مما ترى فرجًا ومخرجًا، إن الله ناصر دينه ومظهر نبيه (الطبقات الكبرى لابن سعد) .

- وأراهم مصارع القوم في يوم بدر، هنا مصرع فلان، وهنا مصرع فلان، فوقع على نحو ما أشار -صلى الله عليه وسلم-.

الصفحة التالية