شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ميراث النبوة

أحمد حسين أبو مالك • المنهج السلفي

وللنووي كلام نفيس في "المجموع" في الترجيح بين الأقوال داخل المذهب، قال -رحمه الله-: "فَإذا عُرِفَتْ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَعَيَّنَ القَوْلُ بِهِ جَزْمًا؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي القَدِيمِ، كَما نَقَلَهُ أبُو ثَوْرٍ، وعَلَّقَ الشّافِعِيُّ القَوْلَ بِهِ فِي الإمْلاءِ عَلى ثُبُوتِ الحَدِيثِ، وقَدْ ثَبَتَ الحَدِيثُ، بَلْ أحادِيثُ، والإمْلاءُ مِن كُتُبِ الشّافِعِيِّ الجَدِيدَةِ، فَيَكُونُ مَنصُوصًا عَلَيْهِ فِي القَدِيمِ والجَدِيدِ، وهَذا كُلُّهُ مَعَ القاعِدَةِ العامَّةِ الَّتِي أوْصى بِها الشّافِعِيُّ أنَّهُ إذا صَحَّ الحديث خِلافَ قَوْلِهِ، يُتْرَكُ قَوْلُهُ ويُعْمَلُ بِالحَدِيثِ، وأنَّ مَذْهَبَهُ ما صَحَّ فِيهِ الحَدِيثُ، وقَدْ صَحَّ الحَدِيثُ ولا مُعارِضَ لَهُ، ولَمْ يَتْرُكْهُ الشّافِعِيُّ إلّا لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ؛ ولِهَذا عَلَّقَ القَوْلَ بِهِ فِي الإمْلاءِ عَلى ثُبُوتِ الحَدِيثِ. وبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ" (المجموع للنووي) .

ثالثًا: المصدر الثالث والرابع: "الإجماع والقياس":

إن ميراث النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقتصِر على القرآن والسنة، بل العلوم المستمدة والمعينة على فهم الوحي من جملة هذا الميراث، والإعراض عن ترك هذا الميراث وأعني به علم أصول الفقه؛ بحجة أنه لا حاجة إليه، ويكفينا الاقتصار على القرآن والسنة، وكأن أصول الفقه لا علاقة لها بالقرآن والسنة رغم أن لب الأصول وجوهرها هو مبحث دلالات الألفاظ، وتفسير النصوص، فلو قسمت الأصول إلى أربعة مباحث، وإن كان المبحث الأول ليس منها حقيقة، ولكن لا بد منه، وهو: مبحث الحكم، ثم المبحث الثاني وهو: الأدلة الشرعية المتفق عليها، والتي منها: الإجماع والقياس، والمختلف فيها: كعمل أهل المدينة، وغيره؛ تجد المبحث الثالث الذي هو لب الأصول وجوهرها: "دلالات الألفاظ وتفسير النصوص"، ثم المبحث الرابع: حال المستفيد المجتهد وشروطه؛ فكيف يستغنَى عن علم فهم النصوص التي هي مصدر الحكم وعليها المدار بحجة أنه من جملة علم الكلام ولا حاجة لنا فيه؟!

وعلى النقيض: مَن ترك فهم مصادر الوحي: "القرآن والسنة"، وانغمس حتى قرنه في علم الكلام، وابتعد هوينًا هوينًا عن لب الأصول وفهم مراد الله ومراد نبيه؛ فهذا الرجل مثله كمثل رجل ذهب ليشتري حصانًا فأبهره السرج وأذهب بريقه عن النظر إلى جودة الحصان وأصالته! والموفَّق مَن وفَّقه الله.

فالأول: "مَن رفع شعار الاستغناء عن كل العلوم إلا القرآن والسنة"، نقول له: هذا حق يُراد به باطل؛ فكيف تفهم القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، وأنت لا تدرك لغة العرب؛ فضلًا عن قواعد أهل العلم في فهم النصوص؟! فهذا ترك الإجماع والقياس بحجة الاقتصار على القرآن والسنة، فإذا ذكرت له إجماعًا قاطعًا في مسألة طالب بدليل، ولعل المسكين يدري أو لا يدري يريد نصًّا مخصوصًا في كل مسألة.

نعم الإجماع ليس حجة بذاته، ولكن ما دام أن هناك إجماعًا مستوفيًا لشروطه، فثم دليل في المسألة علمه من علمه وجهله من جهله، فهذا حظه من ميراث النبوة قليل، وإن تشدق وتقعر فترك فهم النصوص والقواعد بحجة أنها ليست قرآنا ولا سنة، وفي تركه هذا نصف الميراث، ثم جاء إلى القرآن فلم يفهم مراد الله في كلامه لضعف آلته بهجره ما سبق، وفي السنة لم يميز بين صحيحها وضعيفها، وناسخها ومنسوخها، وما أطلقه القرآن وقيدته السنة، وما أجمله القرآن وفسرته السنة.

والثاني: "مَن رفع شعار في التقليد النجاة، ولو ملكت بعض آلة الاجتهاد، ولو تبيَّن لك الحق في غير مذهبك؛ فعليك بَلَي عنق النصوص، والتمسك بالمعتمد، وجعله الحق المطلق": وعكسه مَن يرى المعتمد شيطانًا يتخطفه، والحق أن المعتمد اجتهاد جرى على مدار قرون، وتلقَّاه أغلب علماء المذهب بالقبول، ولا يعني ذلك عصمته وحده، وما سواه باطل، فهذا دون أن يدري مِن أعظم مَن جَنى على المذهبية التي في نظري أفضل طريقة لدراسة الفقه وَفْق ما سبق. والله الموفق.

الصفحة السابقة