السُّنَّة والرأي عند الأئمة الأربعة من خلال كتابات العلامة "أبو زهرة" وبراءة الإمام "أبو حنيفة" من معارضة السُّنة برأيه (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وعلى أيٍّ؛ فمِن باب: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، ومن باب الذب عن عرض الإمام أبي حنيفة، نكتب هذه المقالة لنبيِّن فيها: أن أبا حنيفة -رحمه الله- لم يقدِّم رأيه قط على الكتاب ولا على سنة بلغته، وأنه بذكائه وحدسه أدرك أنه لا شك قد يكون بعض ما أفتى فيه برأيه فيه سنن سيطلع عيلها مَن بعده، فأوصى بوصيته الذهبية بترك رأيه إلى مقتضى أدله الكتاب والسُّنة.
بل إن مالكًا -وهو ساكن المدينة النبوية المنورة حيث وفرة حاملي السنة، ورغم تصديه لجمعها- لما طَلَب منه المنصور أن يجمع الناس على كتابه لم يجبه إلى ذلك، وقال: "إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها".
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "وذلك مِن تمام علمه واتصافه بالإنصاف".
وقد اعتنى العلامة "أبو زهرة" في كتبه: "أبو حنيفة"، و"مالك"، و"الشافعي" بيبان سبب ظهور مدرستي: "الرأي، وأصحاب الحديث"، وكيف اتسعت الفجوة بينهما قبل عصر الأئمة الأربعة، ثم أخذت تضيق شيئًا فشيئًا على يد أبي حنيفة -رحمه الله- وتعظيمه للنصوص، ثم على يد مالك -رحمه الله- إلى الحدِّ الذي جَعَل البعض يصنِّفه كأحد فقهاء مدرسة الرأي، ثم على يد الإمام العظيم الشأن محمد بن إدريس الشافعي الذي هيَّأ الله له دراسة اللغة حتى صار عَلَمًا فيها، ثم تتلمذ على يد الإمام مالك حتى صار نابهًا في فقه أصحاب الحديث، ثم رحل إلى الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، ثم أخرج لنا ذلك كله دررًا لا يمكن أن يختلف عليها اثنان.
ولا أعني بالطبع اجتهادات الشافعي الفقهية؛ فهو كغيره مِن الأئمة قد أَمَرَنا أن نضرب بالأقوال التي تخالِف قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عُرْض الحائط، وهو القائل: "إذا صَحَّ الحديث؛ فهو مذهبي"، ولكن أعني دُرَّة مؤلفاته -رحمه الله-، ودرة مؤلفات التراث الإسلامي، وهو: "كتاب الرسالة"، حيث بيَّن الاحتجاج بالكتاب والسُّنة، ورَدَّ على متعصبة أصحاب الرأي الذين يرفضون العمل بحديث الآحاد، وانتصر للقياس وبيَّن حُجِّيَّتَه، ومع هذا أيضًا وَضَّح ضوابطه حتى لا يكون عملًا بهوى أو مصادمة للنصوص.
ولستُ بصدد بيان فضل كتاب: "الرسالة"، وإنما أريد أن ألخِّص لكَ ما ذكره العلامة "محمد أبو زهرة" حول هذه القضية، وهو يُرجِع الخلاف بين مدرستي: "الرأي والحديث" إلى عاملين رئيسيين:
الأول: كيفية مواجهة الأحاديث المكذوبة والموضوعة، ودخول غير المؤهلين لحلبة رواية الحديث، ومِن ثَمَّ رأى البعض أن يعمل بالأحاديث التي لا غبار عليها ألبتة، ويكمل هذا بالرأي، والبعض رأى أن الحلَّ هو التمحيص في أحوال الرواة، وتمهيد القواعد التي يمكن بها أن نطمئن أو لا نطمئن إلى صحة ما يُنْسَب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من أخبار.
الثاني: إذا كانت النصوص محدودة، ووقائع الناس لا تنحصر؛ فهل يتصدَّى المجتهد لما وقع مِن المسائل فقط تاركًا باقي المسائل المحتملة إلى أن تقع أم أنه يجمل به إذا كانت عنده آلة النظر أن يفرِّع المسائل لمَن بعده؟
ومِن ثَمَّ تصدَّى أصحاب الرأي لبحث مسائل أكثر مِن التي تصدَّى لها أصحاب الحديث.
ومِن ثَمَّ أيضًا؛ فقد ظَهَر أن نسبة ملموسة منها مخالفة للنصوص بعد أن تم جَمْعُ السُّنة.
وغني عن الذكر: أنه لولا التقليد الأعمى لتكاملت المدرستان وتطابقت أصولهما الكلية، وإن كان ولا بد أن تبقى مساحة من الاختلاف كتلك التي وَقَعَت لمَن كانوا في زمنٍ واحدٍ، وخوطبوا بخطابٍ واحدٍ، واختلفوا في فهمه كما في حديث: ( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ) (متفق عليه) .
وذلك أن قواعد تمحيص الأخبار قد اكتملت، وأن السنة قد جُمِعَت، وأن أحوال الناس قد تفرَّعت، ومعظم المسائل التي افترضها أصحاب الرأي صارت واقعًا، وقد استفاد مالك ومِن بعده الشافعي -رحمها الله تعالى- مِن تصوير الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- لتلك المسائل، وإن كانا نظرا فيها مِن واقع ما وصل إليهما مِن أخبارٍ.
الخلاصة:
إن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله- لم يكن يمثِّل مدرسة الرأي المذمومة، بل وإن مدرسة الرأي المذموم فقهيًّا لا تتساوى بمدرسة الإعراض عن الشريعة، والطعن في أحكامها، وإن كان منهم مَن يقود الآن مدرسة التلفيق بين الشريعة وبين الأطروحات الغربية.
كان هذا التمهيد والتوضيح مع عرضٍ موجزٍ لتصور "العلامة أبو زهرة" عن الموضوع.
وفي العدد القادم -إن شاء الله- نعرض ملخصًا لكلامه -رحمه الله- مِن خلال كُتُبِه التي كَتَبَها عن كلِّ إمامٍ مِن الأئمة الأربعة.