شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السُّنَّة والرأي عند الأئمة الأربعة من خلال كتابات العلامة "أبو زهرة" وبراءة الإمام "أبو حنيفة" من معارضة السنة ‏برأيه (2)‏

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

كانت هذه الموجة من الكذب في عصر الاجتهاد وإنشاء المذاهب سببًا في أمرين: ‏

‏(أحدهما): اتجاه المحدثين إلى تمحيص الرواية الصادقة واستخراجها من بين الدخيل؛ ‏ليتميز الخبيث من الطيب، فدرسوا رواة الأحاديث وتعرفوا أحوالهم، وعرفوا الصادق من غير ‏الصادق، وجعلوهم في الصدق مراتب، ثم درسوا الأحاديث ووزنوها بالمعروف من هذا ‏الدين بالضرورة، والأحاديث المشهورة المستفيضة التي لا يُشك في صدقها، والقرآن الكريم، فإن ‏وجدوها متنافرة معها ردوها.

ثم اتجه الأعلام من الأئمة إلى تدوين الصحيح من الأحاديث، ‏فدوَّن مالك موطأه، وجمع سفيان بن عيينة كتاب الجوامع في السنن والآداب، وألَّف سفيان ‏الثوري الجامع الكبير في الفقه والأحاديث، وهكذا ... ‏

‏(ثانيهما): أن الفقهاء "أهل الرأي" أكثروا من الإفتاء بالرأي؛ خشية أن يقعوا في الكذب ‏على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. ‏

‏6- أبو حنيفة -رحمه الله- بداية التقاء مدرستي: "الرأي والحديث"، وليس بداية الافتراق:

‏أما في آخر عصر أبي حنيفة -رحمه الله-: فقد أخذ الفريقان يتقاربان؛ وذلك لالتقاء الفريقين ‏واجتماعهما للمدارسة والمذاكرة، أو الجدل والمناظرة، وأكثرهم يريدون رفع منار الشريعة، ويرجون ‏لها وقارًا؛ ولأنه لما وجد التدوين في عصره أخذ كل فريق يقرأ على الآخر؛ ولأن كثرة ‏الحوادث وعدم تناهيها اضطرا أهل الحديث أن يخوضوا في الرأي، وتدوين الصحاح ‏وتمييزها، وسهولة تعرفها، واطلاع أهل الرأي على أكثر ما روي عن الصحابة عن النبي -صلى ‏الله عليه وسلم-، وتلقيهم لما رواه أهل البُلدان المختلفة من أحاديث وآثار، جعل بين أيديهم ‏طائفة كبيرة من الأحاديث، فتقاربوا بها مِن أهل الحديث.

‏7- تعظيم صاحبي أبي حنيفة للأثر:

فأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة وفقهاء الرأي، يُقبِل على دراسة الآثار وحفظها ‏والاستشهاد بها على ما انتهى إليه من آراء، فإن وجد رأيًا ارتآه مِن قَبْل يخالِف السُّنة عدل ‏عنه إلى الرأي الذي يتفق مع الحديث، ولقد قال فيه ابن جرير الطبري: وإنه كان يُعرَف ‏بحفظ الحديث، وإنه كان يحضر المحدث، فيحفظ خمسين أو ستين حديثًا، ثم يقوم فيمليها ‏على الناس.

ومحمد الصاحب الثاني لأبي حنيفة، يطلب الحديث ويأخذه عن الثوري، ثم يلازم مالكًا -‏رضي الله عنه- ثلاث سنوات، ويأخذ عنه، وهكذا نرى الشقة بين أهل الرأي وأهل ‏الحديث قد أخذت تضيق حتى تقاربا.

‏8- الالتقاء التام بين المدرستين على يد الشافعي:

فلما جاء دور الشافعي مِن بعد، كان هو الوسط الذي التقى فيه أهل الرأي وأهل ‏الحديث معًا، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث في قبولهم لكلِّ الأخبار ما لم يقم دليل على ‏كذبها، ولم يسلك مسلك أهل الرأي في توسيع نطاق الرأي، بل ضبط قواعده، وضيَّق ‏مسالكه، وعبَّدها وسهلها، وجعلها سائغة.

‏ 9- دور الإمام أحمد في الجمع بين السنة والرأي (هذه الفقرة من كتاب الإمام أحمد للشيخ ‏أبي زهرة أيضًا).

‏10- أصول الإمام أحمد الأثرية، مذهبه أيسر المذاهب في باب المعاملات ‏(هذه الفقرة من كتاب الإمام أحمد للشيخ أبي زهرة أيضًا).

‏11- القياس عند السلف هو نوع مِن تعظيم النص، لا نوع مِن مزاحمته ‏(عود إلى كتاب الإمام أبي حنيفة):

قد بيَّنَّا بإيجازٍ اختلاف فقهاء الرأي وفقهاء السنة، وإنما الرأي الذي كان يجري الكلام ‏حوله: أهو القياس الفقهي الذي هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمرٍ آخر ‏منصوص على حكمه لاشتراكهما في علة الحكم؟ أم هو أعم من ذلك؟

إن المتَّبع لمعنى كلمة ‏الرأي في عصر الصحابة والتابعين يجدها عامة لا تختص بالقياس وحده، بل تشمله وتشمل ‏سواه، ثم إذا نزلنا إلى ابتداء تكوين المذاهب، نجد فيها هذا العموم أيضًا، ثم إذا توسطنا في ‏عصر المذاهب نجد كل مذهب يختلف في تفسير الرأي الجائز الأخذ به عن المذاهب ‏الأخرى. ‏

يفسِّر ابن القيم -رحمه الله- الرأي الذي أُثِر عن الصحابة والتابعين بأنه: ما يراه القلب بعد فكرٍ وتأملٍ، وطلب المعرفة ووجه الصواب مما تتعارف فيه الأمارات، وإن الراجع لفتاوى الصحابة ‏والتابعين، ومَن سلك مسالكهم، يفهم مِن معن? الرأي ما يشمل كل ما يفتي فيه الفقيه في ‏أمرٍ لا يجد فيه نصًّا، ويعتمد في فتواه على ما عُرِف مِن الدِّين بروحه العام، أو ما يتفق مع ‏أحكامه في جملتها في نظر المفتي، أو ما يكون مشابهًا لأمرٍ منصوص عليه فيها، فيلحق ‏الشبيه بشبهه، وعلى ذلك يكون الرأي شاملًا للقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، ‏والعرف.

وقد كان أبو حنيفة وأصحابه يأخذون بالقياس والاستحسان والعرف، ومالك وأصحابه ‏يأخذون بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ولقد اشتهر الأخذ بالمصالح المرسلة في ذلك ‏المذهب؛ ولذلك كانت فيه مرونة وقابلية لكل ما يَجِدُّ في شئون الناس في العصور المختلفة، ‏مع أنه مذهب قد قلَّل من القياس، ولم يأخذ به كثيرًا، وكذلك الاستحسان قد اتسع له ‏المذهب المالكي، حتى لقد قال فيه مالك: إنه تسعة أعشار العلم، ولكن ذلك كله إذا لم ‏يكن نصٌّ، ولا فتو? صحابي، ولا عمل لأهل المدينة. ‏

جاء الشافعي فوجد ذلك الاستدلال المرسل للأحكام من غير نصٍّ يعتمد عليه؛ فلم ‏يأخذ بذلك الاتجاه غير المقيَّد في استنباط الأحكام، ورأى أنه لا رأي في الشريعة إلا إذا كان ‏أساسه القياس، بأن يلحق الأمر غير المنصوص على حكمه بالأمر الآخر المنصوص على ‏حكمه، والرأي في هذا الحال حمل على النص، وليس بدعة في الشرع، أما الاستدلال ‏المطلق والتعليل المطلق للأحكام من غير البناء على العلة في الأمر المنصوص على حكمه؛ ‏فهو البدعة في الشرع؛ ولذلك قال: مَن استحسن فقد شرَّع.

ولقد وضع للقياس ضوابطه وموازينه، ودافع عنه وأيَّده" (انتهى) .

وبهذا الاستعراض نرجو أن تكون الصورة قد اتَّضَحَتْ بأنه لا يجوز لأحدٍ أن يقدِّمَ رأيه على ‏الدليل، وعلى براءة الأئمة؛ لا سيما أبي حنيفة -رحمه الله-.

الصفحة السابقة