محاسبة النفس
حسام الأشقر • التزكية
فإن تبين لك مواضع الزلل جاهدت هذه الجوارح، وأسعفتها بسبل العلاج، وتعاهدتها بالرعاية؛ لتستقيم على أمر الله -تعالى-.
بل أدق من ذلك وأجلُّ أن تحاسب خواطر قلبك -فيم يسرح ويتمنى؟ أفي خير وطاعة، فتوشك إن شاء الله أن تحصّلها، أو تنال أجرها بالنية الصالحة، أم في غفلة وشهوة، فتكون على خطر ومقربة من الوقوع فيها؟
ولسائلٍ أن يسأل: وهل نحن محاسَبون عن حديث النفس وخواطر القلب؟ والإجابة بفضل الله: لا، قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ) متفق عليه ، هذا ما لم يصر الأمر عزماً للقلب: كما دل عليه حديث (إذا التقى المسلمان بسيفيهما...) متفق عليه.
ولكن في حفظ خواطر القلب وقاية وحماية للقلب من موارد السوء؛ لأن الاسترسال مع خواطر السوء يولـِّد الفكر، ثم الهم، ثم العزم، ومن ثمّ قد تصل بمن لم يفطمها ويتحصن منها إلى الحرام -والعياذ بالله-، فالفطـِن من حمى قلبه، ووقى نفسه، ولتتأمل قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ...) ) النور:21)، وقوله -تعالى-: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا) (الإسراء:32).
ولك أن تحاسب نفسك محاسبة زمنية، فتحاسبها على عامٍ مَرَّ من عمرك، أو شهر، أو أسبوع، بل الأكمل أن تحاسبها محاسبة يومية: يومك هذا الذي مضى ماذا قدمت فيه لآخرتك؟ ماذا لك فيه وماذا عليك؟ فإن وجدت تقصيراً بادرت بالتوبة والندم؛ لأن الله -تعالى- برحمته ) يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ( رواه مسلم ، بل أعظم من ذلك وأدق أن تحاسبها على ساعاتك ولحظاتك؛ فكل لحظة وكل نفس من الأنفاس جوهرة لا تقدر بالأموال، تستطيع أن تملك بها قصوراً ونخلاً وبساتين ،فتضييعُها دون فائدة، خسارةٌ وغبنٌ عظيم أعظم من غبن القادر على ربح كثير إذا أهمله وتساهل فيه.
قال بعضهم: هب أن المسيء قد عُفي عنه، أليس قد فاته ثواب المحسنين؟ لذلك سمى الله -تعالى- يوم القيامة يوم التغابن: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) (التغابن:9).
ولك أن تحاسبها على كل عمل من الأعمال: وقال -تعالى-: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) (يونس:61), فتحاسب نفسك قبل العمل: لماذا تعمل هذا العمل ومن تريد به؛ وتحاسبها بعده: لمن عملت؟ وكيف عملت؟ وهل أحسنت العمل أم لا؟ فإذا تعاهدتها في ذلك، وعاتبتها ، ولم تهملها، تنبهت ودامت يقظتها.
تنبيه:
- ينبغي أن تكون محاسبتنا لأنفسنا محاسبةً إيجابية، لا لمجرد المعرفة أو التحسر فحسب، كحال الظمآن الذي يعرف موارد الماء ولا يسعى لتحصيله! ولكن محاسبة يتبعها إصلاح ومجاهدة ومصابرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200)، وهذا هو غاية محاسبة النفس.
- ليس الإشكال في محاسبة مرة أو مرتين، ولكن الإشكال في المداومة التي يُجنَى بها الثمرة المكتملة النضج، فاحذر الغفلة والنسيان (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:86).
أيها الأحبة في الله، الله -تعالى- هو الحسيب، الذي سيحاسب عباده على ما قدموا، قال -تعالى-: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء:47)، وقال: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المجادلة:6)، وقال: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة:6-8).
فأحرى بكل عبد أن يحاسب نفسه اليوم قبل فوات الأوان؛ ليبصر أمراض النفس ومواضع الزلل، فيسعى في إصلاحها، ويتداركها بالمجاهدة والتزكية، قال -تعالى-: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)( الشمس:7-10)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت:69).
تابع -إن شاء الله- الصحابة ومحاسبة النفس.
