شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (38)‏ دعوة إبراهيم لملك زمانه للتوحيد (5)‏

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قوله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (البقرة:258) .

الفائدة الثامنة: قوله -تعالى-: ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أوضح دليل على الإيمان بالقدر، وأن الهداية والإضلال بيد الله وحده، قال -تعالى-: ( مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (الأنعام:39) ، وقال الله -تعالى-: ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ ‌يَشْرَحْ ‌صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) (الأنعام:125) .

هو -سبحانه- وحده الذي جعل ( لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) (الأنعام:112) .

وهو -سبحانه- الذي جعل ( لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) (الفرقان:31) .

وهو الذي جعل إبراهيم -عليه السلام- مقيمًا للصلاة ومن ذريته، وتقبَّل دعاءه.

وهو -سبحانه وتعالى- الذي وهب لإبراهيم إسحاق ويعقوب -عليهما السلام- نافلة، وجعلهم أئمة يهدون بأمره، كما قال: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (الأنبياء:73) .

وقال -عز وجل- عن المشركين: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ? وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ) (الأنعام:107) .

وقال -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ ‌مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (الأنعام:123) .

وقال -سبحانه- آمرًا المؤمنين أن يقولوا في فاتحة الكتاب: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) (الفاتحة:6-7) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ قَلْبٍ إلّا وهو بينَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أصابِعِ رَبِّ العالَمينَ، إنْ شاءَ أنْ يُقيمَه أقامَه، وإنْ شاءَ أنْ يُزيغَه أزاغَه، وكان يقولُ: يا مُقلِّبَ القُلوبِ ثبِّتْ قُلوبَنا على دِينِكَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وقد بيَّن -سبحانه- في هذه الآية: ( وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أن مَنْعَه الهداية عن القوم الظالمين المستلزم لإضلالهم وضلالهم، إنما يقع على مَن يناسبه، وبسببٍ منه وهو: "الظلم".

وإن كان زيغ العباد بين إزاغتين من الله:

إزاغة أولى: قدَّرها الله عليهم؛ لأنه أعلم بهم وبما يناسبهم، وقد وقعت من خلال إرادتهم وقدرتهم التي بها فعلوا أفعالهم الخبيثة، لم تقع إكراهًا عليهم، ولا وقعت أفعالًا اضطرارية: كخلقهم، وإحيائهم وإماتتهم، ومرضهم، ودق قلوبهم، بل هم قد عملوا أفعالهم الاختيارية بمشيئتهم وقدرتهم ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ) (فصلت:40) ، وإن كان ذلك بمشيئة الله -عز وجل- وقدرته، وقضائه وقَدَره.

وأما الإزاغة الثانية: فهي بسبب زيغهم الأول، قال -تعالى-: ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (الصف:5) ، فهذه الإزاغة الثانية عقوبة فسقهم وظلمهم الذي أصروا عليه بعد بلوغ الحجة الرسالية لهم؛ رغم ما أعطاهم الله -سبحانه- من العقول والأسماع والأبصار، قال -تعالى-: ( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) (الأحقاف:26) .

أما الإزاغة الأولى فهي بعلم الله بمَن يناسبه الشكر، وبمَن يناسبه الظلم، فهو أعلم بالشاكرين، وهو أعلم بالظالمين.

فاحذر -أيها المؤمن- أن تقع فيما وقع فيه كثير مِن الناس مِن جعلهم إرادة الله تابعة لإرادة العباد، كمَن يقول: قد علم الله أنهم سيختارون أو سيريدون الكفر؛ فلذلك أراد لهم الكفر، وهذا خلاف نص القرآن، قال الله -تعالى-: ( لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (التكوير: 28-29) ، وقال -تعالى-: ( فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ . وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) (المدثر:55-56) .

فالله هو الأول الذي ليس قبله شيء، كان الله ولم يكن شيء غيره، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو الخالق البارئ المصور؛ هو الذي قدَّر وجود المخلوقات قبل خلقها على الصورة التي يريد أن يخلقها عليها، ثم أوجدها من العدم إلى الوجود فهو بارئها، ثم أعطى كلَّ واحد منهم شكله وصورته فهو المصور، وقد دخل في المخلوقات التي كانت عدمًا أفعال العباد وقدراتهم وإراداتهم؛ فيستحيل شرعًا وعقلًا أن يكون الخالق تابعًا للمخلوق.

وفي هذا الأمر يضل أقوامٌ وتزل أقدام؛ فبعضهم يتهم الله بالظلم، وكثيرًا ما يوسوس شياطين الإنس والجن بذلك، والمفزع دائمًا في رد الشبهة أن الله لم يظلمهم، كما قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) (النساء:40) .

الصفحة التالية