شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا

محمد خلف • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أعظم وسائل إجابة الدعاء: سؤال الله العون والتوفيق لشكر نعمته -سبحانه وبحمده-، وتحصيل مرضاته فيجمع فيه العبد بين الدعاء والثناء، وهما من أنفع ما يكون لصلاح العبد وإجابة مسألته.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَفْضَلِ مَا يُسْأَلُ الرَّبُّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْإِعَانَةُ عَلَى مَرْضَاتِهِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِحِبِّهِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَقَالَ ( يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: تَأَمَّلْتُ أَنْفَعَ الدُّعَاءِ، فَإِذَا هُوَ سُؤَالُ الْعَوْنِ عَلَى مَرْضَاتِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ فِي الْفَاتِحَةِ فِي إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (مدارج السالكين) .

قلتُ: ويظهر ذلك أيضًا في دعاء نبي الله موسى -عليه السلام- كما في سورة طه: ( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ‎ .‏ هَارُونَ أَخِي . ‏ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . ‏ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . ‏ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . ‏ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . ‏ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا ) (طه:29-35) .‏

سأل ربه -سبحانه- أن يرزقه مُعينًا وظهيرًا له من أهله، وهو أخيه هارون عليه السلام لكي يسبحا ويعظما ربهما، ويذكراه كثيرًا شكرًا له على سالف نعمه وإحسانه لهما، كما قال ابن كثير -رحمه الله-: "وَقَوْلُهُ: ( إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ) أَيْ: فِي اصْطِفَائِكَ لَنَا، وَإِعْطَائِكَ إِيَّانَا النُّبُوَّةَ، وَبَعْثَتِكَ لَنَا إِلَى عَدُوِّكَ فِرْعَوْنَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ " (انتهى) .

وكذا كما في دعاء نبي الله سليمان -عليه السلام-: ( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) (النمل: ??) .

والشاهد قوله -تعالى -: ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) ، فطلب من ربه -سبحانه- الإلهام والتوفيق لشكر نعمته ليس عليه وحسب، بل ونعمته على والديه، فإن النعمة على الوالدين نعمة على الولد، كما قال السعدي -رحمه الله-.

قلتُ: وكذا فيها الثناء عليه -تعالى- بسابق إحسانه ومنته عليه وعلى والديه، وسأله أن يوفقه للعمل الصالح الذي يرضي ربه، وهذا كما قال البيضاوي -رحمه الله-: "إتْمامًا لِلشُّكْرِ واسْتِدامَةً لِلنِّعْمَةِ".

فإذا أنعم الله عليك بالمال أو الوظيفة أو الولد أو الزوجة الصالحة؛ فاسأله العون والتوفيق على شكر نعمه -تعالى-، فالنعمة منه -سبحانه-، وكذا التوفيق والعون لشكرها، فاستحضار ذلك يثمر دوام الخشية والفقر، والحياء من الله -تعالى-، وذلك أعظم ما تُحفظ به النعم وتزداد.

فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.