شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (40) قصة إحياء الطيور (2)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ ‌لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (البقرة:260) .

قال ابن جرير -رحمه الله-: "يعني -تعالى ذكره- بذلك: ألم تر إذ قال إبراهيم: ( رَبِّ أَرِنِي )، وإنما صلح أن يعطف بقوله: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ) على قوله: ( أَوْ كَالذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ) وقوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلى الذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ )؛ لأن قوله: ( أَلَمْ تَرَ ) ليس معناه: ألم تر بعينيك، وإنما معناه: ألم تر بقلبك، فمعناه: ألم تعلم فتَذكُر، فهو وإن كان لفظه لفظ الرؤية فيعطف عليه أحيانًا بما يوافق لفظه من الكلام، وأحيانًا بما يوافق معناه.

واختلف أهل التأويل في سبب مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموت؛ فقال بعضهم: كانت مسألته ذلك ربه، أنه رأى دابة قد تقسَّمتها السباع والطير، فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها مع تفرق لحومها في بطون طير الهواء وسباع الأرض ليرى ذلك عيانًا، فيزداد يقينًا برؤيته ذلك عيانًا إلى علمه به خبرًا، فأراه الله ذلك مثلًا بما أخبر أنه أمره به.

عن قتادة: ذُكر لنا أن خليل الله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع، فقال: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ).

عن الضحاك قال: مرَّ إبراهيم على دابةٍ مَيْتٍ قد بلي وتقسمته الرياح والسباع، فقام ينظر، فقال: سبحان الله! كيف يحيي الله هذا؟ وقد علم أن الله قادر على ذلك، فذلك قوله: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ).

عن ابن جريج: بلغني أن إبراهيم بيْنا هو يسير على الطريق، إذ هو بجيفة حمار، عليها السباع والطير قد تمزعت لحمها وبقي عظامها، فلما ذهبت السباع، وطارت الطير على الجبال والآكام، فوقف وتعجب ثم قال: ربِّ قد علمتُ لَتجمعنَّها من بطون هذه السباع والطير، ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي )، ولكن ليس الخبر كالمعاينة.

عن ابن زيد، قال: مرَّ إبراهيم بحوت نصفه في البر، ونصفه في البحر، فما كان منه في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان منه في البر فالسباع ودواب البر تأكله، فقال له الخبيث: يا إبراهيم متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال: يا رب ( أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي )".

( قلتُ: ورغم أن هذه الآثار لم تصح مرفوعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إلا أن فيها فائدة عظيمة توافِق ما وَرَد في الكتاب والسنة مِن تأمُّل معنى الموت والحياة؛ لنتذكر كيف يجمع الله -عز وجل- الخلائق بعد تمزقهم، والتفكير في ذلك مما يزيد الإيمان، ويقوي العقيدة، ويشرح الصدر، ويهون على الإنسان مصائب الدنيا، فهذه هي الطريقة التي عليها الرُّسُل في التفكير فيما يرونه من أحداثٍ في الكون أمام أعينهم، وإرشاد عباد الله المؤمنين للتفكير الصحيح لمثل هذا المنظر العجيب، وليس مجرد التفكه بالغرائب والعجائب -كما هي عادة الغربيين في مثل هذه الأشياء-؛ بل المؤمنون يتفكرون في الموت والحياة، والقدرة على البعث، ويأخذون من ذلك الحذر من الجزاء والحساب يوم القيامة).

قال ابن جرير -رحمه الله-: "وقال آخرون: بل كان سبب مسألته ربه ذلك، المناظرة والمحاجة التي جَرَت بينه وبين نمرود في ذلك.

عن محمد بن إسحاق قال: لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصَّه الله في سورة الأنبياء، قال نمرود -فيما يذكرون- لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو؟ قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال نمرود: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ ثم ذكر ما قصَّ الله من مُحاجته إياه. (أي: من إحضاره رجلين قتل أحدهما وأطلق الآخر!)، قال: فقال إبراهيم عند ذلك: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) من غير شكٍّ في الله -تعالى ذكره- ولا في قدرته، ولكنه أحب أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه، فقال: ( لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي )، أي: ما تاق إليه إذا هو علمه. وهذان القولان -أعني: الأول وهذا الآخر- متقاربا المعنى في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى كانت ليرى عيانًا ما كان عنده مِن علم ذلك خبرًا.

وقال آخرون: بل كانت مسألته ذلك ربه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلًا، فسأل ربه أن يريه عاجلًا من العلامة له على ذلك؛ ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلًا، ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيدًا.

الصفحة التالية