شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وضوح المنهج (3) خطة العمل مع المنهج

سعيد السواح • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل كلامنا على وضوح وسطوع وجلاء المنهج الإسلامي، وكنا تكلمنا في المقال السابق عن العنصر الأول، وهو: وضوح الغاية، وفي هذا المقال نتناول بقية العناصر.

2- وضوح الهدف:

ما الهدف الذي ينبغي أن نسعى جميعًا للوصول إليه وتحقيقه، ( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (آل عمران:185) ؟

هذا هو الهدف والمطلب الأسمى؛ طلب الجنة والفوز بها، والنجاة من النيران، هدف تشرَّب به القلب وعملت من خلاله الجوارح، فلم يغب أهل الإيمان عن رؤية الهدف دومًا، ولم يغيبوه في حياتهم، وهذا حال مشاهد من أحوالهم وحياتهم، ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (البقرة:201) .

فوصف الله -تعالى- عباده المتقين وحالهم مع ذكر ربهم، وأنهم لا يفترون عن ذكره، ولا عن دعائه؛ طلبًا للنجاة من النيران، ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ . رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (آل عمران:190-194) .

ووصفهم الله -تعالى- برغبتهم فيما عند ربهم، ولم يميلوا للدنيا ويغتروا بها، ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ . قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ) (آل عمران:14-17) .

وضوح الهدف وعدم غيابه في حسهم محرك نحو فعل الطاعات والاستقامة على المنهج، ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (النور:36-38) ، ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ) (الإنسان:8-10) .

وكان من حال الصحابة -رضي الله عنهم- إذا خلى أحدهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان شاغله أن يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدله على عملٍ يدخله الجنة وينجيه من النيران، فعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ أخبِرْني بعملٍ يُدخِلُني الجنَّةَ، ويُباعدُني عن النَّارِ؟ قال: ( لقد سألتَ عن عظيمٍ، وإنَّه ليسيرٌ على من يسَّره اللهُ عليه: تعبُدُ اللهَ، ولا تُشرِكُ به شيئًا، وتُقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ وتصومُ رمضانَ، وتحُجُّ البيتَ.، ثمَّ قال: ألا أدلُّك على أبوابِ الخيرِ؟ قلتُ: بلَى يا رسولَ اللهِ. قال: الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدقةُ تُطفِئُ الخطيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجلِ في جوفِ اللَّيلِ شعارُ الصَّالحين. ثمَّ تلا قولَه: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) حتَّى بلغ: ( يَعْمَلُونَ ) ، ثمَّ قال: ألا أُخبِرُك برأسِ الأمرِ، وعمودِه، وذُروةِ سنامِه؟ ) قلتُ: بلَى يا رسولَ اللهِ. قال: ( رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُه الصَّلاةُ، وذُروةُ سنامِه الجهادُ )، ثمَّ قال: ( ألا أُخبِرُك بمِلاكِ ذلك كلِّه )، قلتُ: بلَى يا رَسُولَ اللهِ، قال: ( كُفَّ عليك هذا ) وأشار إلى لسانِه. قلتُ: يا نبيَّ اللهِ، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلَّمُ به؟ قال: ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، ‌إِلَّا ‌حَصَائِدُ ‌أَلْسِنَتِهِمْ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .

وكان السبيل في الوصول لتحقيق الهدف يتمثَّل في تحقيقهم لرضا ربهم -سيحانه-، وأن تكون وجهة الإنسان بالعمل وجه ربه؛ يرجو ثوابه، ويخشى عقابه، ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) (الفتح:29) ، ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ) (الحشر:8) .

الصفحة التالية