وقفات مع آيات (12) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ... ) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- ولذا فالداعي إلى الله أشرف الناس وظيفة ومكانة، في قوله وعمله: قال -تعالى-: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (فصلت: 33) .
كان الحسن البصري إذا تلا هذه الآية، قال: "هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في أجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله"، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
(3) طبيعة طريق الدعوة:
أخطأ مَن يظن أنه طريق التعبُّد والتنسك بلا مشاكل ولا أذى، أو أنه طريق الشهرة والتعالي في الأرض: (الشاهد ما تقدَّم في سبب النزول، وكيف ظلت قريش تجابه الدعوة النبوية).
ـ المعاناة ومواجهة الصد والتكذيب، والإيذاء والعداء والتشهير والتضييق، وهذه هي طبيعة الطريق، وسنة الله في أوليائه المؤمنين وحملة دينة العظيم: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟! )، قَالَ وَرَقَةُ: "نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلا عُودِيَ" (متفق عليه) ، وقال -تعالى-: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) (إبراهيم: 13) (2) .
ـ فلا بد للداعي من الصبر؛ لأنه سلاح بقاء الدعوات، ونيل الدرجات: قال الله -تعالى-: ( وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور ) (لقمان: 17) ، وقال: ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) (الأحقاف: 35) ، وقال: ( أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ) (الفرقان: 75) ، وقال: ( سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) (الرعد: 24) .
خاتمة:
تذكير بالآية وسبب النزول، والإشارة إلى عظيم جهاد النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله، ففي جواب أبي لهب ما يدل على ذلك؛ فلقد أوذي النبي -صلى الله عليه وسلم- في الله أشد الإيذاء، وظلَّ على ذلك حتى مات مِن أثر سمِّ اليهود -لعنهم الله-، فجزاه الله خير ما جزى به نبيًّا عن أمته.
ونسأله -تعالى- أن يجعلنا هداة مهديين، وأن يجمعنا مع سيد الدعاة في جنات النعيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال ابن كثير -رحمه الله-: "الأول: دعاء عليه، والثاني: خبر عنه؛ فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته: أبو عتبة، وإنما سُمِّي: "أبا لهب"؛ لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه.
(2) بل قد يكون أشد الأذى حاصل من أقرب الناس للداعي، قال -تعالى- في مناشدة النبي قرابته في الكف عن إيذائه: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (الشورى: 23 ) .