الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (43) قصة إحياء الطيور الأربعة (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وبعض علماء اليهود كانوا يصرِّحون للنبي -صلى الله عليه وسلم- بنبوته، قائلين: نشهد أنك نبي، ومع ذلك ظلوا على كفرهم؛ لأنه ليس عندهم الانقياد الباطن لما جاء به -صلى الله عليه وسلم-، أي: قد زال عمل القلب.
والمنافقون كانوا نوعين: منهم مَن كان عنده شك، ومنهم مَن عنده تكذيب، وإن كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وبعضهم عنده تصديق باطن، لكن عنده كراهية لما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وكراهية للدين، مع علمه بحقيقته؛ لذا نقول: إن أولى درجات الإيمان هي تصديق القلب، وهو زوال الشك؛ أي: لا يكون عنده شك في أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فهذه أولى درجات الإيمان، ولكن قد يكون مَن لا يشك الآن في ذلك، لكن لو أن أحدًا شككه وفتنه؛ فإنه يشك ويُفتن؛ فهذا قَبْل أن يُفتَن عنده أصل الإيمان، وليس معه الإيمان الواجب، فإذا فُتِن زال ذلك الأصل، قال الله -عز وجل-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ) (العنكبوت:10) ، أي: في الفرار منه، فإنه يفر من عذاب الناس كما يفر المؤمنون من عذاب الله بطاعة الله -عز وجل-، فهو يطيع الكفار الذين فتنوه!
وقال -عز وجل-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ . يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ . يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) (الحج:11-13) .
كان بعض الأعراب يدخل في هذا الدين، فإن ولدت امرأته ذكورًا وأنتجت إبله، وأمطرت السماء في تلك السنة؛ قال: هذا دين خير، فيظل مسلمًا، وإن أنجبت امرأته إناثًا، ولم تنتج إبله، وأمسكت السماء، قال: هذا دين سوء، ويتشاءم به! (روى البغوي في تفسيره نحوه) .
وروى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) قالَ: "كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فإنْ ولَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلامًا، ونُتِجَتْ خَيْلُهُ، قالَ: هذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ، ولَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ، قالَ: هذا دِينُ سُوءٍ!"، فهذا الرجل حاله -بعد أن ينقلب- معروفٌ أنه خسر الدنيا والآخرة، كما قال الله -عز وجل-: ( يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ )؛ فحال هذا قبل أن يفتن وينقلب أن عنده أصل الإيمان؛ لأن الله أثبت أنه يَعبد اللهَ على حرف؛ فإيمانه ناقص، وتصديقه ناقص، ولم يكن لديه شك ولا تكذيب؛ بخلاف الذي ليس عنده أصل الإيمان، ولم يدخل في الدين بعد، لكن إيمان هذا الذي يعبد الله على حرف ليس هو الإيمان الواجب، والقدر الواجب من الإيمان هو الذي يُدخل صاحبه الجنة لأول وهلة، فلو مات هذا الذي ليس عنده الإيمان الواجب على تلك الحال قبل أن ينقلب ويُفتن لمات وعنده أصل الإيمان، فلا يخلد في النار، ولكن لا يلزم أن يدخل الجنة لأول وهلة؛ بل يمكن أن يعذب في النار، ولكنه لا يخلد فيها.
ونشبه ذلك بالبناء: فشخص إيمانه ضعيف أقل مِن القدر الواجب، مثله كمثل جدار حديث البناء لم تجف مواده، فلو دفعه أحدٌ أو اتكأ عليه؛ لَخَرَّ فورًا، فكذلك هذا الشخص لو شككه أحدٌ لشك، ولو فتنه لافْتُتِنَ، كما قال الله -عز وجل- في بعض المنافقين: ( وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ) (الأحزاب:14) ، أي: لَأَعْطَوها، وهؤلاء لم يكونوا كفارًا في الأصل أو منافقين في الأصل؛ وإلا لفرحوا عند دخول المشركين المدينة، وإنما هم سيترددون يسيرًا ثم يشركون.
فمِن الناس مَن يكون إيمانه ناقصًا، فتأتيه فتنةٌ فيرجع عن الإيمان، فذلك الذي يُفتن؛ لذلك قلنا: إن أولى درجات الإيمان هي زوال الشك، ولكن لا يشترط أن يكون ثابتًا عند الفتن بحصول أصله، بل بحصول كماله الواجب.